وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وجعلها موجبة للكفران، فاستحق كل الذم. وفي هذا قول الشاعر:
ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إذا غضبوا
أو ما ينقم أي ما يكره شيئًا إلا أغناء الله، وهذا مما لا يكره أو ما ينكر شيئًا إلا كون الله أغناه بعد فقره، وهذا ليس بمنكر، فكأنه لم ينكر منكرًا أصلًا. يقال: نَقَمتُ منه كذا أنقم بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل إذا عِتَبه وأنكرته عليه وكرهته، وكذلك نَقمت بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل. وقيل: ينقم بكسر قاف أفصح من فتحها قال في النهاية: ويقال: نقم من فلان الإحسان إذا جعل إحسانه مما يؤيديه إلى كفر النعمة أي أواه غناه إلى أن كفر نعمة الله، فما ينقم شيئًا في منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة. قال التوربشتي: وهذا الذي قاله صحيح، لأنه قول القائل لمن أساء إليه بعد أن أحسن هو إليه ما عِبتَ عليّ إلا الإحسان إليك، تعريض بكفران النعمة، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان، وإنما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه عند المنة عليه، لأنه كان سبًا لدخوله في الإسلام، فأصبح غنيًا بعد فقره بما أفاءه الله على رسوله، وبما أباح لأمته من الغنائم ببركته- انتهى. وقال الكرماني: الاستثناء مفرغ. ومحل أن وصلتها نصب على المفعول به أو على أنه مفعول لأجله، والمفعول به حينئذٍ محذوف أي ليس ثمة شيء ينقم له ابن جميل يوجب منع الزكاة إلا أغناه الله، وليس بموجب للمنع، فلا موجب له أصلًا، وهذا مما تقصد العرب في مثله تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء، وذلك الشيء لا يقتضي إثباته، فهو منتف أبدًا، ويسمى مثل ذلك عند البيانين تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس، فمن الأول قول الشاعر:
ولأعيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
لأنه إذا لم يكن فيهم عيب إلا هذا. وهذا ليس بعيب فلا عيب فيهم. ومن الثاني هذا الحديث وشبهه أي ما ينقم ابن جميل شيئًا إلا كون الله أغناه بعد فقره، وهذا مما لا ينقم فليس ثمة شيء ينقم أو فلم ينكر منكرًا أصلًا، فينبغي له أن يعطي مما أعطاه الله ولا يكفر بالنعمة (وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا) عبر بالظاهر دون أن يقول تظلمونه بالضمير على الأصل تفخيمًا لشأنه وتعظيما لأمره، نحو {وما أدراك ما الحاقة} - [الحاقة: 3] والمعنى تظلمونه بطلبكم منه زكاة ما عنده، فإنه (قد احتبس) أي وقف (أدراعه) بمهملات جمع درع بكسر الدال، وهي الزردية (وأعتده) بضم المثناة جمع عتد بفتحتين. وفي مسلم: أعتاده بزيادة الألف بعد التاء، وهو أيضًا جمعه. وقال النووي: واحده عتاد بفتح العين. وقال الجزري: الأعُتدُ والأعتاد جمع عتاد وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب وآلات الحرب. ويجمع على أعتده (بكسر التاء) أيضًا. وقيل: هو الخيل خاصة، يقال: فرس عتيد أي صلب أو معد