وهي الجماعة، وأنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الفرقة الناجية مطلقًا مغفورة بعيد، أجيب بأن المراد أنهم في النار لأجل اختلاف العقائد، فمعنى"وواحدة في الجنة"أنهم لا يدخلون النار لأجل اختلاف العقائد، أو المراد بكونهم في النار طول مكثهم فيها، وبكونهم في الجنة أن لا يطول مكثهم في النار، وعبر عنه بكونهم في الجنة ترغيبًا في تصحيح العقائد، وأنه يلزم أن لا يعفى عن البدعة الاعتقادية كما لا يعفى عن الشرك، إذ لو تحقق العفو عن البدعة. فإن قيل: لا يلزم دخول كل الفرقة المبتدعة في النار فضلًا عن طول مكثهم، إذ هو مخالف لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء} [48:4] أجيب بأن المراد أنهم يتعرضون لما يدخلهم النار من العقائد الرديئة، ويستحقون ذلك. ويحتمل أن المراد أن الغالب في تلك الفرق دخول النار، فيندفع الإشكال من أصله -انتهى. (وهي الجماعة) أي الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم، المتمسكون بطريقتهم، وهم أهل السنة والجماعة، أي أصحاب الحديث الذين اجتمعوا على اتباع آثاره - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأحوال، واتفقوا على الأخذ بتعامل الصحابة وأجماعهم، ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير، ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة. (وأنه سيخرج) أي سيظهر (في أمتي أقوام) أي جماعات (تتجارى) بالتائين أي تدخل وتجري وتسري (بهم) أي في مفاصلهم وعروقهم. (تلك الأهواء) جمع هوى البدع التي كانت السبب في الافتراق، وضعت موضعها وضعًا للسبب موضع المسبب؛ لأن هوى الرجل هو الذي يحمله على الابتداع في العقيدة والقول والعمل. (كما يتجارى الكلب) بفتحتين داء يعرض للإنسان من عض الكلب الكلب أي المكلوب، وهو داء يصيب الكلب فيصيبه شبه الجنون فلا يعض أحدًا إلا كلب، ويعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا، كذا في النهاية. (بصاحبه) أي مع صاحبه إلى جميع أعضائه أي مثل جرى الكلب في العروق، شبه حال الزاغين من أهل البدع في استيلاء تلك الأهواء عليهم، وفي سراية تلك الضلالة منهم إلى الغير بدعوتهم إليها، ثم تنفرهم من العلم وامتناعهم من قبوله حتى يهلكوا جهلًا، بحال صاحب الكلب وسريان تلك العلة في عروقه ومفاصله شبه الجنون، ثم تعديته إلى الغير فلا يعض المجنون أحدًا إلا كلب أي جن، ويعرض له أعراض رديئة تشبه الماليخوليا مهلكة غالبًا، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا، قاله الطبي. وفي هذا التشبيه فوائد: منها التحذير من مقاربة تلك الأهواء ومقاربة أصحابها، وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى فإن أصل الكلب واقع في الكلب، ثم إذا عض ذلك الكلب أحدًا صار مثله ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت في قلبه شكًا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر، هذا بخلاف سائر المعاصي، فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها غالبًا إلا مع طول الصحبة والأنس به، والاعتياد لحضور معصيته، وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى، فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم، ومكالمتهم، وكلام مكالمهم، وأغلظوا في ذلك، قاله الشاطبي وبسط الكلام في شرح رواية معاوية أيضًا،