فهرس الكتاب

الصفحة 3095 من 4545

وكل ذلك يدل على أن هذا الحكم ليس خاصا بابن عمرو بل هو عام لجميع المسلمين وأما أقراره لحمزة على سرد الصوم فلا حجة فيه كما سبق. الثالث إن معنى لا صام أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره فيكون خبرا، لا دعاء. وتعقبه الطيبي بأنه مخالف لسياق الحديث ألا تراه كيف نهاه أولا عن صيام الدهر كله ثم حثه على صوم داود، والأولى أن يكون خبرا عن أنه لم يمتثل أمر الشرع أو دعاء كما تقدم. وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدم ذكره بأن معناه ضيقت عليه فلا يدخلها، فعلى هذا تكون على بمعنى عن، أي ضيقت عنه، وهذا التأويل حكاه الأثرم عن مُسَدَّد، وحكى رده عن أحمد كما سبق. وقال ابن خزيمة: سألت المزني عن هذا الحديث. فقال: يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها ولا يشبه أن يكون على ظاهره، لأن من ازداد عملًا وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلنه كرامة. ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالي. فقالوا له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة. وتعقب بأنه ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا بل رب عمل صالح إذا ازداد منه بعدًا كالصلاة في الأوقات المكروهة، وأيضا لو كان المراد ما ذكروه لقال ضيقت عنه. وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها. قال ابن حزم (ج7ص16) بعد ذكر التأويل المذكور ما لفظه: هذه لكنه وكذب. أما اللكنة فإنه لو أراد هذا فقال ضيقت عنه ولم يقل عليه. وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه-انتهى. فالصواب أجراء الحديث على ظاهره والقول بكراهة صيام الدهر مطلقًا أو منعه. قال الشوكاني في السيل الجرار بعد ذكر حديث أبي موسى: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخلف هذا المعنى تعسف وتكلف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر وهو مخالف للهدى النبوي، وهو أيضًا أمر لم يكن عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد، وهو أيضًا من المرغوب عن سنة رسول الله صلى اله عليه وسلم، ومن رغب عن سنته فليس منه كما تقدم، وهو أيضًا من التعسير والتشديد المخالف لما استقرت عليه هذه الشريعة المطهرة. قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] وقال صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وقال: أمرت بالشريعة السمحة السهلة، فالحاصل إن صوم الدهر إذا لم يكن محرمًا تحريمًا بحتافاقل أحواله أن يكون مكروها كراهة شديدة هذا لمن لا يضعف به الصوم من شيء من الواجبات، أما من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعية فلا شك في تحريمه من هذه الحيثية بمجردها من غير نظر إلى ما قدمنا من الأدلة-انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت