في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبالدرداء إني جئتك من مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جئت لحاجة. قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء،
ـــــــــــــــــــــــــــــ
فيه، فذكر كثيرًا بسب ذلك في الصحابة فأخطأ-انتهى. (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم وبكسر، أي الشام (يا أباالدرداء) يقرأ الهمزة بعد حرف النداء ولا يكتب رسمًا. (لحديث) أي لأجل تحصيل حديث (بلغني أنك تحدثه) أي ذلك الحديث (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) يحتمل أن يكون سمعه إجمالًا، أو أراد أن يسمعه بلا واسطة لإفادة العلم وزيادة الطمأنينة، أو لعلو الإسناد فإنه من الدين. (ماجئت) إلى الشام (لحاجة) أخرى غير أن أسمعك الحديث. (قال) أي أبوالدرداء (فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) يحتمل أن هذا الحديث هو الحديث المطلوب للرجل أو غيره. ذكره تبشيرًا له وترغيبًا في مثل ما فعل. (من سلك طريقًا يطلب فيه) أي في ذلك الطريق (علمًا) . قال الطيبي: إنما أطلق الطريق والعلم ليشملا في جنسهما، أي طريق كان من مفارقة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك، وأي علم كان من علوم الدين قليلًا كان أو كثيرًا. (سلك الله به طريقًا) الضمير المجرور عائد إلى"من"والباء للتعدية، أي جعله سالكًا ووفقه أن يسلك طريق الجنة. وقيل: عائد إلى العلم، والباء للسبية، و"سلك"بمعنى سهل، والعائد إلى من محذوف، والمعنى: سهل الله له بسبب العلم طريقًا، فعلى الأول"سلك"من سلوك، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف، كقوله تعالى: {يسلكه عذابًا صعدًا} [17:27] . وعلى التقديرين نسبة"سلك"إلى الله تعالى على سبيل المشاكلة، كذا قاله الطيبي. وهو إما كناية عن التوفيق للخيرات في الدنيا، أو عن إدخال الجنة بلا تعب في الآخرة. (وإن الملائكة لتضع أجنحتها) جمع جناح بالفتح، وهو محمول على الحقيقة وإن لم يشاهد، أي تفرشها لتكون وطاء له إذا مشى، أو تكفها عند الطيران وتنزل عند مجالس العلم لسماعه، أو تبسطها له لتحمله عليها وتبلغه حيث يريد من البلاد، ومعناه المعونة في طلب العلم، أو هو مجاز عن التواضع توقيرً لعلمه وتعظيمًا لحقه ومحبة للعلم. (رضًا) حال أو مفعول له على معنى إرادة رضًا ليكون فعلًا لفاعل الفعل المعلل به. (لطالب العلم) متعلق برضا (ليستغفر له) إذا لحقه ذنب، ومجازاة على حسن صنيعه بإلهام من الله تعالى إياهم ذلك، وذلك لعموم نفع العلم، فإن مصالح كل شيء ومنافعه منوطة به، وهو محمول على الحقيقة. (والحيتان) جمع الحوت، قال الطيبي: ذكر الحيتان بعد ذكر الملائكة والثقلين تنميم لاستيعاب جميع الحيوانات على طريق"الرحمن الرحيم"، كما بيناه في فتوح الغيب، وأما تخصيص الحيتان فللدلالة على أن إنزال المطر ببركتهم حتى أن الحيتان تعيش بسببهم كما ورد: (( بهم تمطرون وبهم ترزقون ) ).