ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق
بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أن الحرف الذي نزل القرآن أولًا بلسانه أولى الأحرف فحمل الناس عليه لكونه لسان النبي صلى الله عليه وسلم ولما له من الألوية المذكورة (ففعلوا) ذلك كما أمرهم. قال القاري: فإن قيل فلم أضاف عثمان هؤلاء النفر إلى زيد ولم يفعل ذلك أبوبكر قلت كان غرض الصديق جمع القرآن بجميع أحرفه ووجوهه التي نزل بها، وذلك على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد لغة قريش من تلك القراءات فجمع أبي بكر غير جمع عثمان، فإن قيل فما قصد بإحضار تلك الصحف؟ وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظة قلت: الغرض بذلك سد باب المقال وأن يزعم زاعم إن في المصحف قرآنًا لم يكتب ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئًا مما لم يقرأ به فينكره فالصحف شاهدة بصحة جميع ما كتبوه (حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة) فكانت عندها حتى توفيت فأخذها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبل معاوية فأمر بها فشققت. وقال إنما فعلت هذا لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، رواه ابن أبي داود وغيره، ووقع في رواية فشقها وحرقها، وفي أخرى فغسلها غسلًا. قال الحافظ: ويجمع بأنه صنع بالصحف جميع ذلك من تشقيق ثم غسل ثم تحريق، ويحتمل أن يكون خرقها بالخاء المعجمة فيكون مزقها ثم غسلها (وأرسل إلى كل أفق) بضمتين أي ناحية ويجمع على آفاق (بمصحف مما نسخوا) وفي رواية فأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، واختلف في عدة المصاحف التي اكتبتها عثمان، فالمشهور إنها خمسة أرسل منها أربعة وأمسك واحدًا. وقال الداني في المقنع: أكثر العلماء إنها أربعة أرسل واحدًا للكوفة، وآخر للبصرة. وآخر للشام، وترك واحدًا عنده. وقال أبوحاتم السجستاني: فيما رواه عنه ابن أبي داود كتبت سبعة مصاحف إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس بالمدينة واحدًا (وأمر بما سواه) أي بما سوى المصحف الذي استكبته والمصاحف التي نقلت منه وسوى الصحف التي كانت عند حفصة وردها إليها، ولهذا استدرك مروان الأمر بعدها وأعدمها أيضًا خشية أن يقع لأحد منهم توهم أن فيها ما يخالف المصحف الذي استقر الأمر عليه كما تقدم (من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، ولأبي ذر عن الحموي والمستلي يحرق بفتح المهملة وتشديد الراء مبالغة في إذهابها وسدًا لمادة الاختلاف. ووقع في رواية سويد ابن غفلة عن علي قال لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلا خيرًا، ومن طريق مصعب بن سعد قال أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد. قال ابن بطال: في هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار، وإن ذلك إكرام لها وصون عن وطئها بالأقدام. وقد