فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك. قال: ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه شيئًا. وقام الرجل، فانطلق. فأتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا فدعاه، وتلا عليه هذه الآية وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصة؟ فقال: بل للناس كافة )) رواه مسلم.
578- (13) وعن أبي ذر، (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج زمن الشتاء، والورق يتهافت، فأخذ بغصنين من شجرة. قال: فجعل ذلك الورق يتهافت. قال: يابا ذر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله، فتهافت عنه ذنوبه، كما تهافت هذا الورق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والانقياد لحكم الله ورسوله (لو سترت على نفسك) أي: لكان حسنًا، أو لو للتمنى (قال) أي: ابن مسعود (ولم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه) أي: على الرجل السائل أو على عمر (شيئًا) من الكلام انتظار لقضاء الله فيه رجاء أن يخفف عن عقوبته (فانطلق) ظنًا منه بسكوته - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى سينزل فيه شيئًا، وأنه لا بد أن يبلغه (فأتبعه النبي) أي: أرسل عقبه (رجلًا) ليدعوه (وتلا) عليه الصلاة والسلام (عليه) أي: على الرجل السائل (وأقم الصلاة) بدل من الآية (ذلك) أي: ما ذكر في هذه الآية العظيمة من المنة الجسيمة (ذكرى) أي: تذكرة وموعظة (للذاكرين) لنعمة الله أو المتعظين (فقال رجل) قيل: هو عمر ابن الخطاب. وقيل هو معاذ بن جبل (هذا له) أي: هذا الحكم للسائل (خاصة) أي: يخصه خصوصًا أم للناس عامة (كافة) أي: كلهم يعني يعم جميعًا، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. قال النووي: هكذا تستعمل كافة حالًا ولا يضاف، فيقال: كافة الناس ولا الكافة بالألف واللام، وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم (رواه مسلم) في التوبة، وأخرجه أيضًا الترمذي في تفسير سورة هود. وقال: حديث حسن صحيح. والظاهر أن الحديث السابق أو الفصل الأول مختصر من هذا الحديث الطويل. وذهب بعضهم إلى أن الواقعة تكررت لرجلين لمغايرة سياقيهما، والله أعلم.
578-قوله: (زمن الشتاء) أي: البرد أو قريبًا من فصل الشتاء، وهو الخريف (يتهافت) أي: يتساقط متواليًا (فجعل ذلك الورق يتهافت) أي: طفق الورق من الغصنين يتساقط تساقطًا سريعًا لأنهما عند القبض بهما أسرع سقوطا من تركهما على حالهما (يريد بها وجه الله) أي: ذاته ومرضاته. والجملة حالية من الفاعل أو المفعول، أي: خالصًا لله أو خالصة له تعالى بأن لا يكون فيها سمعة ولا رياء بل يقصد بها امتثال أمر الله ورضاءه عنه فقط (فتهافت عنه) بحذف إحدى التائين (كما تهافت) بصيغة الماضي، وفي نسخة صحيحة يتهافت بالمضارع للمذكر، قاله القاري. قلت: وكذا وقع بصيغة المضارع