فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزلوا، وأن يتوضؤا، وأمر بلالًا أن ينادي للصلاة- أو يقيم - فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس، ثم انصرف وقد رأى من فزعهم، فقال: يا أيها الناس! إن لله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا، فإذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها، ثم التفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر الصديق، فقال: إن الشيطان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الشيطان فيه فأخبر به. (فركبوا) أي رحلوا، أو ركب بعضهم واقتاد الآخرون. (أويقيم) أي بعد الأذان فأو للشك أو بمعنى الجمع المطلق كالواو، وهو الظاهر لثبوت الجمع بين الأذان والإقامة في حديث أبي قتادة وغيره. (فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أى قضى صلاة الصبح جماعة. (وقد رأى من فزعهم) أي أدرك بعض فزعهم أسفًا على فوات الصبح، أو رأى عليهم بعض آثار خوفهم لما حسبوا أن في النوم تقصيرًا. (قبض أرواحنا) أي ثم ردها إلينا، وهو كقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [39: 42] ولا يلزم من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا، والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط، قاله الحافظ. وقال العز بن عبد السلام: في كل جسد روحان: روح اليقظة التي أجرى الله تعالى العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظًا، فإذا نام خرجت ورأت المنامات، وروح الحياة التي أجرى العادة أنها إذا كانت في الجسد فهو حي. ثم إنه لا يخفى ما في فوات صلاته - صلى الله عليه وسلم - من المصالح، ولأحمد من حديث ابن مسعود: لو أن الله أراد أن لا يناموا عنها لم يناموا، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم. (في حين) أي وقت. (غير هذا) بالجر على الصفة، وقيل بالنصب على الاستثناء، أي قبل ذلك الوقت أو بعده. (فإذا رقد أحدكم) أي غافلًا أو ذاهلًا. (عن الصلاة أو نسيها) للتنويع لا للشك. (ثم فزع إليها) أي تنبه بالاستيقاظ أو التذكير. (فليصلها) أي حين قضاها. (كما كان يصليها في وقتها) ولا كفارة لها إلا ذلك ولا قضاء عليه إلا ذلك، لا كما زعم بعضهم أنه يعيد القضاء مرتين: عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي، مستدلًا بما في حديث عمران بن حصين عند أبي داود في مثل هذه القصة: من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحًا فليقض معها مثلها. قال الحافظ: لم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك، بل عدوا الحديث غلطًا من راويه. وحكي ذلك الترمذي وغيره عن البخاري، ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضًا أنهم قالوا يا رسول الله! ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: لا. ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم - انتهى. وظاهر الحديث أنه يجهر في الجهرية، ويسر في السرية. (أبي بكر الصديق) قال الزرقاني: كان علي يحلف أن الله أنزل من السماء اسمه الصديق. (إن الشيطان) أي شيطان الوادي، أو شيطان بلال،