السلطنة وراسل تركان خاتون أرملة أخيه قبل وفاتها واتفق معها على الزواج وتواعدا على اللقاء والتعاون، فقدمت إليه فماتت في الطريق فتفرق عساكرها وانضم أكثرهم إلى بركيارق [1] , ومضى تتش في مشروعه، فاستطاع أن يغتصب حلب من آق سنقر ويمد نفوذه إلى أنطاكية ويخطب لنفسه بالسلطنة فيها سنة 486هـ، كما استطاع أن يستولى على نصيبين ويقتل من أهلها عددًا كبيرًا ثم يمد نفوذه على الموصل وميا فارقين وديار بكر ويتوجه إلى أذربيجان، وكان نفوذ بركيارق في ذلك الوقت قد قوى، فسار لملاقاة عمه الثائر المغتصب، فلما التقى الجمعان، انضم آق سنقر بجيوشه إلى بركيارق كما تفرقت جيوش تتش فانهارت قوته ولم يستطع مواجهة جيوش بركيارق فقفل راجعًا إلى بلاد الشام، وقد أقام آق سنقر عند بركيارق فترة عاد بعدها إلى بلاده ليكون عينًا على تتش [2] ، ولم تهدأ نفس تتش بعد هذه الهزيمة، إذ صمم على الانتقام من آقسنقر، وقد استمر النزاع بين بركيارق وعمه تتش إلى أن تمكن بركيارق من إلحاق الهزيمة به في النهاية سنة 88هـ وقيل: إن قتله كان على أيدي جماعة من أنصار آق سنقر كانوا قد أقسموا على أن يثأروا له [3] .
وقد استمرت البلاد الشامية وأتابكية الموصل مسرحًا لحروب كثيرة بين صغار الأمراء، وبيئة صالحة لدسائس البيت السلجوقي في بغداد حتى استطاع عماد الدين زنكي ونور الدين محمود من بعده أن يوحدا هذه البلاد من جديد ويخضعاها لسلطة واحدة [4] . ويجب أن نشير هنا إلى أن هذا التفكك الذي حدث في قلب الدولة السلجوقية كان من أكبر عوامل نجاح الحملة الصليبية الأولى على بلاد الشام، إذ لم تكن هناك القوة الإسلامية التي تستطيع أن تقف في وجهها، ففضلًا عن المنازعات التي قامت بين رضوان ودقاق ابني تتش فإن هذه البلاد كانت مسرحًا لنشاط الفاطميين في مصر [5] ، كما سيأتي بيان ذلك في محله بإذن الله. وهكذا نجد أن النزاع الذي قام بين أفراد البيت السلجوقي في هذا الجزء من الشرق الإسلامي قد أدى إلى انتزاع الصليبيين معظم بلاد الشام من المسلمين [6] .
2 -منافسة أرسلان أرغون بركيارق على السلطنة: ظهر منافس آخر للسلطان بركيارق ينازعه في أمور السلطنة وهو عمه أرسلان أرغون، الذي كان مقيمًا في بغداد عند أخيه ملكشاه، ولما توفي ملكشاه وحدث نزاع بين بركيارق وأخيه الأصغر محمود على عرش
(1) سلاجقة الشام والجزيرة، ص 101.
(2) تاريخ الدولة الأتابكية، ملوك الموصل، ص 24، 25.
(3) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 53.
(4) تاريخ الدولة الأتابكية، ملوك الموصل، ص 30 - 37.
(5) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 54.
(6) الشرق الإسلامي قبيل الغزو المغولي، ص 54.