إذا فعل أمير المدينة كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار [1] ، وكان حريصًا على إقامة العدل في رعاياه وحفظ أموالهم وأعراضهم، بلغه أن غلامًا من غلمانه أخذ إزارًا لبعض التجار، فصلبه فارتدع سائر المماليك به، خوفًا من سطوته، وكتب إليه بعض السُّعاة في نظام الملك، فاستدعاه وقال له: إن كان هذا صحيحًا فهذَّب أخلاقك، وأصلح أحوالك، وإن لم يكن صحيحًا فاغفر لهم زلتهم بمُهمَّ يشغلهم عن السعاية بالناس [2] ، وكان كثيرًا ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم، وأحكام الشريعة، ولما اشتهر بين الملوك بحُسن سيرته، ومحافظته على عهوده أذعنوا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع وحضروا عنده من أقاصي ما وراء النهر إلى أقاصي الشام [3] .
ومن الدروس مما مضى، أهمية دراسة التاريخ للقادة السياسيين وزعماء الأمة، فمن خلاله يتعرفون على سنن الله وعوامل نهوض الدول وأسباب سقوطها، فقد كان ألب أرسلان مهتما بدراسة تاريخ الأمم.
رابعًا: حملة السلطان ألب أرسلان على الشام وضم حلب: وضع السلطان ألب أرسلان نصب عينيه تحقيق هدفي السلاجقة وهما التوسع باتجاه الأراضي البيزنطية وطرد الفاطميين في بلاد الشام والحلول مكانهم ثم استخلاص مصر منهم، وقد أثاره احتمال تقارب بين البيزنطيين والفاطميين فحرص على أن يحمي نفسه من بيزنطة بفتح أرمينية والاستقرار في ربوعها، قبل أن يمضي في تحقيق الهدف الثاني وهو مهاجمة الفاطميين. والواقع أنه كان من الصعب على السلطان السلجوقي، من الناحية العسكرية والسياسية، أن يتجاوز محور الرها إلى جنوبي بلاد الشام ثم مصر دون تقدير الموقف البيزنطي من جهة، ومواقف أمراء الجزيرة وبلاد الشام من جهة أخرى، إذ إن أي اضطراب في العلاقة مع هذه الأطراف من شأنه أن يهدد بقطع خط الرجعة على جيشه الذي سيكون بعيدًا عن قواعده الخلفية [4] ، واشتدت في هذه الأثناء غارات الأتراك على أراضي الدولة البيزنطية، وتوغلوا فيها، ففتح هارون بن خان أرتاح عام 460هـ بعد أن حاصرها خمسة أشهر [5] ، ونهض الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينوس ليوقف تقدم المغيرين، ومنعهم من التوغل أكثر في عمق الأراضي البيزنطية، وقاد حملتين عسكريتين ضد الأجزاء الشمالية لبلاد الشام بين عامي 461هـ و462هـ فهاجم منطقة حلب، عقدة المواصلات التجارية والعسكرية بين العراق
(1) أيعيد التاريخ نفسه؟ ص 68، البداية والنهاية (16/ 229) .
(2) البداية والنهاية (16/ 39) .
(3) الكامل لابن الأثير (6/ 253) .
(4) في التاريخ الشامي، شاكر مصطفى (2/ 131) .
(5) زبدة الحلب في تاريخ حلب (1/ 256) .