المبحث الخامس
حركة المقاومة الإسلامية في العهد السلجوقي
ما بين الغزو الصليبي وظهور عماد الدين زنكي
أولًا: الفقهاء والقضاة واستجابتهم لمقاومة الغزو الصليبي:
أيقظت صدمة سقوط القدس غفوة العديد من الفقهاء والقضاة, وأدركوا حقيقة ذلك الغزو بعد أن هدد وجودهم ومكانتهم في مدن تلك البلاد فضلًا عن الأرض والعقيدة الإسلامية. ولذلك بادر فقهاء وقضاة الشام من دمشق وحلب وطرابلس للاستنجاد بالسلطة المركزية ببغداد، والإمارات المحلية باعتبارها تملك القوة العسكرية القادرة على مواجهة ذلك الغزو [1] .
1 -استنجاد فقهاء وقضاة دمشق بخلافة بغداد: لم تكن دمشق في البداية هدفًا لذلك الغزو، ولكن فقهاءها وقضاتها أدركوا خطورته على مدينتهم التي كانت لا تختلف عن القدس، فهي ملتقى لطلاب العلم والفقهاء والقضاة من أقاليم الخلافة الإسلامية كافة، وخاصة عندما عرفوا ما حل برفاقهم هناك، ولذلك اتفقوا على إرسال وفد من قبلهم (عام 492هـ/1098م) برئاسة قاضي دمشق زين الإسلام محمد بن نصر أبو سعد الهروي (ت 519هـ) إلى مركز الخلافة الشرعية بغداد، وكان اختياره إشارة واضحة لضخامة المخاوف والآمال التي كانت تجول بأذهان فقهاء الشام وقضاتها [2] ، وقد استقبله الخليفة العباسي المستظهر بالله (486 - 512هـ /1091 - 1118م) مع جماعته, وأورد في الديوان كلامًا في حال المسلمين في القدس والشام، والتهديدات الصليبية لوجودهم، ولكن دون جدوى، ولذلك فكر القاضي الهروي في خطة ذكية لإثارة السكان في بغداد كوسيلة للضغط على الخليفة حتى يرغمه في التفكير جديًا بطلبهم ودعوتهم عن طريق استخدام الجوامع في بغداد مركز الرأي العام الإسلامي هناك, وهذه هي المرحلة الثانية [3] من مهمتهم, وقال ابن الأثير في ذلك: وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد - صحبة القاضي أبي سعد الهروي - فأوردوا في الديوان كلامًا أبكى العيون وأوجع القلوب، وقاموا بالجامع يوم الجمع،
(1) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي، ص 68.
(2) المصدر نفسه، ص 68، المنتظم (9/ 195 - 224) .
(3) موقف فقهاء الشام وقضاتها من الغزو الصليبي, ص 68.