وأثقالهم، وذل الهنود بعد هذه الموقعة، ولم يكن لهم بعد راية، ورضوا بألا يطلبوا في أقاصي بلادهم، ولما قوى سبكتكين بعد هذه الموقعة أطاعه الأفغان [1] ، وكانت دولته نحوًا من عشرين سنة، وكان فيه عدل وشجاعة ونبل مع عسف [2] ، وبعد وفاته عام 378هـ عهد بالإمرة إلى ابنه إسماعيل, واستطاع ابنه محمود أن ينتزع الإمارة من أخيه إسماعيل بعد قتال مهول [3] .
أ- محمود الغزنوي: من المؤسف حقًا ألا يعرف كثير من المثقفين وخريجي الجامعات شيئًا عن هذا السلطان السني العظيم ومملكته في بلاد الأفغان وما كان عليه من حب للعمل وتقرب إلى الله بحمل راية الدعوة وبث روح الجهاد والاستشهاد في جنده، ونشر السنة، وقمع البدع, وما كان يتحلى به من قيم إسلامية مثلى كان لها أعمق الأثر في ازدهار مملكته والتفاف الناس حوله في محبة وتفان ووفاء [4] .
إن سيرة السلطان محمود الغزنوي ودولته السُّنية تستحق أن تُفرد لها دراسة خاصة بها وندعو طلاب العلم والمهتمين بالتاريخ الإسلامي وفق منهج أهل السنة والجماعة إلى القيام بهذا الواجب لسد ثغرة في المكتبة الإسلامية ويوضح أهمية الالتزام بالسنة وأثر ذلك في قوة الدولة وينسف أكاذيب وشبهات الرافضة والباطنية حول هذا البطل السني العظيم, ومع هذا لا يمنع من الحديث عنه في هذه العجالة، فقد وصفه ابن كثير بالملك العادل الكبير المثاغر [5] ، المرابط المؤيد المنصور المجاهد يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين صاحب بلاد غزنة وتلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرًا، وكاسر بُدودِهم [6] ، وأوثانهم كسرًا، وقاهر هنودهم وسلطانهم الأعظم قهرًا [7] ، وقد سار في الرعية سيرة عادلة وقام بأعباء الإسلام قيامًا تامًا، وفتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند وغيرها، وعظم شأنه في العالمين، واتسعت مملكته وامتدت رعاياه وطالت أيامه، ولله الحمد والمنة، وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة العباسي القادر بالله، وكانت رسل الفاطميين من الديار المصرية تَفِد إليه بالكتب والهدايا والتحف فيحرق كتبهم ويُخرّق حللهم [8] ، ولما قدم التاهرتي الداعي مندوب الدعوة الفاطمية من مصر على السُّلطان يدعوه سرًا إلى مذهب الباطنية، وكان التاهرتي يركب بغلًا يتلون كل ساعة من كل لون، ففهم السلطان محمود سِرَّ دعوتهم، فغضب، وقتل
(1) الكامل في التاريخ, نقلًا عن العالم الإسلامي في العصر العباسي، ص 369.
(2) سير أعلام النبلاء (16/ 500) .
(3) المصدر نفسه (17/ 485) .
(4) تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء, للعظم، ص 180.
(5) المثاغر: أي المرابط على الثغور.
(6) البدود: جمع البُدّ وهو الصنم بالفارسية.
(7) البداية والنهاية (15/ 628) .
(8) المصدر نفسه (15/ 633) .