وأدلتهم ومناقشاتهم، ويبين ما في ذلك من خطأ أو صواب، فإذا ما وصل في الحديث إلى الشخص نفسه صاحب العقيدة, فإنه ينظر إليه نظرة أخرى مبنية على أنه قد يكون صادقًا في خدمته للإسلام، ولا يحمل غشًا لأهله, ولذلك فهو لا يتعمد الكذب والافتراء, وأنه مجتهد، وأن هذا الذي قاله هو مبلغ علمه، أو أنه كان مقلدًا لغيره في هذه المسائل.
وأنه ربما ما مات على هذا الظلم، فقد يكون ممن رجع وتاب، وصرح بذلك, أو أنه في آخر عمره رضي مسلك أهل الحديث.
والثاني: أن لهؤلاء الأعلام - على أخطائهم - جهودًا لا تنكر في الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن العقيدة، والرد على أعدائها من الملاحدة والمتفلسفة والرافضة وغيرهم، وهي جهود تكون في موازينهم يوم القيامة ولا يحرمون أجرها عند الله تعالى [1] .
أ- موقف ابن تيمية من أبي الحسن الأشعري: دافع ابن تيمية عن شيوخ
الأشاعرة - وعلى رأسهم ابن كلاب - وكثيرًا ما يقرن الأشعري بابن كلاب والكلابية، فيقول مثلًا: لهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيرًا وأصح طريقًا في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيرًا وأصح طريقًا في العقليات والسمعيات من المتفلسفة، وإن كان في قول كل من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف فيه العقل والسمع، ولكن من كان أكثر صوابًا وأقوم قيلًا كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلًا وتفصيلًا [2] . وأما كلامه عن أبي الحسن الأشعري فقد دافع عنه وذكر أنه: ابتلى بطائفتين، طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه، ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهارًا لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كذب على الرجل, فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها, ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعًا وعقلًا، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواضع- تبين له قطعًا أنه كان ينصر ما أظهره, ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية، يقصدون نفي ذلك عنه لئلا يقال: إنهم خالفوه، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون، والفريق الآخر دافعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه لا يظهرون إلا خلاف هذا القول، ولكونهم اتهموه بالتقية، وليس كذلك، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة كمسألة الرؤية، والكلام، وإثبات الصفات، ونحو ذلك، لكن كانت خبرته بالكلام مفصلة،
(1) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (5/ 710) .
(2) شرح الأصفهانية، ص 55.