فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 611

حتى المآتم لا تخلو من المناظرات الفقهية والمطارحات الكلامية، فناظر الغزاليُّ الأئمة العلماء في مجلس نظام الملك، وقهر الخصوم، وظهر كلامه عليهم، واعترفوا بفضله، وتلقَّاه الصاحب بالتعظيم والتبجيل، وولاه تدريس مدرسته النظامية ببغداد, وكان ذلك غاية ما يطمح إليه العلماء ويتنافسون فيه، فقدم بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة ولم يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره، وقلَّما تقلَّد هذا المنصب الرفيع عالم وهو في هذه السن، درّس الغزالي بالنظامية، وأعجب الخلق حسن كلامه، وكمال فضله، وفصاحة لسانه، ونُكتهُ الدقيقة، وإشاراته اللطيفة، وأحبُّوه [1] . قال معاصره عبد الغافر الفارسي: وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمة الأكابر والأمراء ودار الخلافة [2] ، وكان يقرأ عليه جمٌّ غفير من الطلبة المحصلين: يقول في «المنقذ من الضلال» في وصف حاله والنظامية: وأنا مهتم بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد [3] . وأخذ في تأليف الأصول والفقه والكلام والحكمة [4] .

6 -من أسباب نبوغ الغزالي وشهرته: تجمعت عدة عوامل كانت سببًا في نبوغ الغزالي وشهرته منها:

-نشأته العلمية، فقد كان شغوفًا بالعلم باحثًا عن اليقين، وعن حقائق الأمور، ودرس علوم عصره ونبغ فيها وفاق أقرانه.

-ما كان يتمتع به من حافظة قوية.

-ما كان يتمتع به من شدة الذكاء، فقد كان شديد الذكاء سديد النظر، مفرط الإدراك، بعيد الغور، غواصًا على المعاني الدقيقة.

-تدريسه بالمدرسة النظامية التي أنشأها السلاجقة لتعليم مبادئ أهل السنة، فقد كان ذلك من أسباب شهرته [5] .

7 -التحول الكبير الذي غير مجرى حياته: بلغ الغزالي في تلك الأيام قمة المجد، وأتته الدنيا خاضعة ذليلة، أتته بالمال والشهرة وذيوع الاسم، كما أتته بالجاه ونفوذ الكلمة، واستمتع بذلك كله، ومع ذلك لم ينقطع عن طلب العلم، فطالع العلوم الدقيقة والكتب المصنفة فيها. مما كان له كبير الأثر في التحول الكبير الذي غير مجرى حياته فيما بعد [6] ،

(1) طبقات الشافعية (4/ 106) .

(2) رجال الفكر والدعوة (1/ 173) .

(3) المنقذ من الضلال، ص 85.

(4) سير أعلام النبلاء (19/ 173) .

(5) التصوف بين الغزالي وابن تيمية، ص 50.

(6) الإمام الغزالي، صالح الشامي، ص 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت