من رياضيات ومنطق.
-مكانة الإمام الغزالي وعلمه بدقائق الفلسفة، كما يعلمها كبار الفلاسفة.
-استعماله كل الأسلحة التي توافرت لديه، فهو يقول في حديثه عن ذلك: ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم ما اعتقدوه مقطوعًا بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطورًا مذهب الفرق إلبًا واحدًا عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين فلنتظاهر عليهم، فعند الشدائد تذهب الأحقاد [1] .
وقد كان الغزالي واثقًا من انتصاره بعد أن أحكم الوسائل وخطط للمعركة التخطيط السديد، ولذلك نجده - وقد نزل إلى ساحة المعركة- غير مبال بخصمه، ساخرا منه، مستهزئًا بعقله الذي يتبجَّح به. ولننظر إلى بعض النصوص التي أوردها في كتابه «تهافت الفلاسفة» وهو يستعمل سلاح السخرية [2] قلنا: ما ذكرتموه تحكمات، وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات، لو حكاها الإنسان عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه [3] . وقال ذلك في مقام الحديث عن نشأة الكائن الأول الواحد عن الإله ونشأة ثلاثة كائنات عن هذا الكائن الأول الواحد. وقال: فلست أدري كيف يقنع المجنون من نفسه بمثل هذه الأوضاع، فضلًا عن العقلاء الذين يشقون الشعر - بزعمهم- في المعقولات [4] . ومما دفعه إلى هذا الأسلوب موقفهم المشابه من الإسلام والمسلمين وإلا فالغزالي يحترم العلم ويقدر أهله ولكن هؤلاء جاهروا بالكفر وترفعوا على الناس وظنوا بأنفسهم الفطنة - كما يقول في المقدمة - فاستحقوا هذا الأسلوب. وفي مقدمة الكتاب هجوم عنيف، فيصبح عاجزًا عن تدارك أمره، وكان هذا الهجوم في نص أدبي رائع في معناه ومبناه [5] .
وعلق الإمام الغزالي على بحثهم واجب الوجود، وأنَّه يعقل نفسه ولا يعقل غيره بكلمته اللاذعة القوية: فقد انتهى بهم التعمق في الفطنة، إلى أن أبطلوا كل ما يُفهم من العظمة، وقربوا حاله تعالى في حال الميت الذي لا خبر له بما يجري في العالم، إلا أنه فارق الميت في شعوره بنفسه فقط، وهكذا يفعل الله سبحانه بالزَّائغين عن سبيله، والنَّاكبين عن طريق الهدى، المنكرين لقوله تعالى {مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51] ، {الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: 6] المعتقدين أن أمور الربوبية، تستولي
(1) تهافت الفلاسفة، ص 82.
(2) الإمام الغزالي، للشامي، ص 85.
(3) تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا ص 146.
(4) المصدر نفسه، ص 153.
(5) الإمام الغزالي، ص 86.