يكون مقلدًا. ويشرح لنا ذلك عندما تحدث عن صفات علماء الآخرة فيقول: ومنها: يكون اعتماده في علومه على بصيرته وإدراكه بصفاء المقلَّد [1] ، صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فيما أمر به وقاله. وإنما يقلَّد الصحابة - رضي الله عنهم - من حيث إن فعلهم يدل على سماعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم إن العالم عليه أن يعمل عقله في تفهم أسرار أقواله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، لأنها لا تخلو من أسرار، واكتشاف ذلك هو مهمة العالم .. قال: ثم إذا قلد صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - في تلقي أقواله وأفعاله بالقبول، فينبغي أن يكون حريصًا على فهم أسراره، فإن المقلد إنما يفعل الفعل لأن صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم - فعله، وفعله لا بد أن يكون لسر فيه، فينبغي أن يكون شديد البحث عن أسرار الأعمال والأقوال، فإنه إن اكتفى بحفظ ما يقال كان وعاءً للعلم ولا يكون عالمًا. ولذلك كان يقال: فلان من أوعية العلم, فلا يسمى عالمًا إذا كان شأنه الحفظ من غير اطلاع على الحكم والأسرار .. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] . وينبغي للعالم أن يعرف الحق، وبه يُعرف الرجال، وإلى هذا يوجهه الغزالي: فاعلم إن عُرف الحق بالرجال، حَار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكًا طريق الحق [3] ، ويتحدث الغزالي عن الحجب التي تحول دون الفهم فيذكر منها التقليد، فيقول: ومنها: أن يكون مقلدًا لمذهب سمعه بالتقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له، بمجرد الاتباع للمسموع، من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة.
فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكن أن يخطر بباله غير معتقده، فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإن لمع برق على بُعد، وبدله معنى من المعاني التي تباين مسموعه، حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال: كيف يخطر هذا ببالك، وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله [4] . وتحدث الغزالي عن التقليد وبين أن النظر ليس حفظ الدليل، وإنما هو البحث وأعمال الفكر للوصول إلى الدليل الذي به تكون قناعة العقل. وبهذا المنطق يدعو الغزالي إلى تحرر العقل من رقَّ التقليد، وذلك بإعمال عقولهم وعندها يمكنهم أن يؤدوا دورهم في أداء واجبهم. ولعل الدافع للغزالي إلى هذا الموقف من التقليد، إنما كان بفعل ما رآه من جمود علماء عصره على مذاهب أئمتهم - سواء أكان ذلك في الفقه أو الاعتقاد - وتعطيل عقولهم، بحيث لا يخالفونهم حتى ولو كان الدليل مؤيدًا لغير ما ذهبوا إليه [5] .
-الدعوة إلى الكتاب والسنة: قال الغزالي في رسالته «أيها الولد» : اعلم أن الطاعة
(1) المقصود بالتقليد هنا: الاتباع.
(2) إحياء علوم الدين (1/ 78) .
(3) إحياء علوم الدين (1/ 23) .
(4) المصدر نفسه (1/ 284) .
(5) الإمام الغزالي للشامي، ص 205.