الحفصي، وسنن أبي داود من القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي [1] . وهذا الأمر يلفت النظر إلى ميزة كبيرة في شخصية الغزالي حيث تواضعه في طلب العلم وعدم استكباره في الأخذ على أيدي العلماء وهو في هذه السن والمكانة والعلم. ويحكي تلميذه - عبد الغافر الفارسي - آخر مراحل حياته قائلًا: وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين - البخاري ومسلم - اللذين هما حجة الإسلام. ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام يستفرغه في تحصيله، ولا شك أنه سمع الأحاديث في الأيام الماضية، واشتغل آخر عمره بسماعها [2] . وقد كان ابن تيمية -رحمه الله- ممن يذكّرون بهذه المرحلة الأخيرة التي تعرض لها الغزالي، ومكررًا ذلك في غالب كتبه مؤكدًا على أن الغزالي مال أخيرًا إلى أهل الحديث, ومات وصحيح البخاري على صدره [3] ، وذكر ابن كثير ترجمة وجيزة عن الغزالي قال في آخرها: ثم عاد إلى بلده طوس فأقام بها وابتنى رباطًا، واتخذ دارًا حسنًا, وغرس فيها بستانا أنيقًا، وأقبل على تلاوة القرآن، وحفظ الأحاديث الصحاح [4] .
* وفاته: توفي الإمام الغزالي يوم الاثنين الرابع عشر من جمادي الآخرة من هذه السنة، ودفن بطوس -رحمه الله تعالى- وقد سأله بعض أصحابه وهو في السياق فقال: أوصني! فقال له: عليك بالإخلاص، فلم يزل يُكرِّرُها حتى مات، رحمه الله [5] . قال أخوه أحمد: لما كان يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد، وصلى، وقال: عليّ بالكفن، فأخذه وقبّله، وتركه على عينيه، وقال: سمعًا وطاعة للدخول على الملك، ثم مد رجليه، واستقبل القبلة ومات قبل الإسفار [6] ، ورثاه الأبيوري الشاعر المشهور، بأبيات فائية من جملتها:
مضى وأعظم مفقود فُجعتُ به ... من لا نظير له في الناس يخلفه [7]
فرحمة الله على الغزالي فقد قام بجهد كبير في سبيل التنظير لأهل السنة في العهد السلجوقي, والذي ساهم بجهاده الفكري والعلمي في تقوية الخلافة العباسية، ومقاومة الخطر الباطني الصاعد آنذاك، وهو الخطر الرئيسي الذي كان يتهدد الخلافة، وقد ظل الغزالي طوال
(1) طبقات السبكي (4/ 110) .
(2) طبقات السبكي (4/ 109 - 111) ، سير أعلام النبلاء (19/ 323 - 324) .
(3) أبو حامد الغزالي والتصوف، ص 367.
(4) البداية والنهاية (16/ 215) .
(5) المصدر نفسه (16/ 215) .
(6) سكب العبرات للموت والقبر والسكرات (1/ 282) .
(7) وفيات الأعيان (4/ 219) .