فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 611

الزمان على أن يضمنوا لأنفسهم غفران خطاياهم, وكان هذا نتاجًا للمشاعر الألفية والأخروية التي ملكت على الناس وجدانهم وعقولهم مع توقعاتهم لمجئ الدينونة، وانتشر الوعاظ الجوالون في كل أنحاء الغرب الأوربي يحثون الناس على الزهد والتوبة والتشبه بحياة الفقر التي عاشها الحواريون. وفي غمرة هذا التدين العاطفي الذي حكم تصرفات المجتمعات الغربية سادت مشاعر الكراهية والتعصب ضد أتباع الديانات الأخرى، بل وضد من يعتنقون مذهبًا غير المذهب الكاثوليكي.

وثمة دليل قوى على هذا في طيات الملحمة الصليبية المعروفة باسم «أنشودة أنطاكية» التي تعكس، بشكل أمين، روح الانتقام التي سرت في المجتمع الكاثوليكي ضد «الوثنيين المخذولين» - على حد زعمهم - كما أن القصيدة لا تعتبر أن الأمة المعادية للمسيح هم المسلمون فقط، وإنما يصدق هذا الوصف أيضًا على كل من لا يعترفون بعقيدة الكنيسة الكاثوليكية، وهي بهذا تجسد التفكير الشعبي في أوربا القرن الحادي عشر، هذا التفكير الشعبي كان هو الآخر واحدًا من ملامح الإيديولوجية العامة التي أفرزت الحركة الصليبية. لقد تمثل نجاح أوربان الثاني في أن خطبته التي دعا فيها إلى الحملة الصليبية كانت بمثابة بؤرة تجمعت فيها كل الأفكار التي مثلت الإطار الإيديولوجي لحركة المجتمع الغربي آنذاك على الرغم من الاختلافات اللغوية والعادات والتقاليد, وهكذا لم تكن استجابة جماهير المستمعين إلى البابا في كليرمونت مجرد رد فعل لبلاغة كلماته، وإنما كانت هذه الاستجابة تعبيرًا عن فرحة أولئك المستمعين بالمشروع الذي مس أوتار الآمال التي كانت تداعب كلًا منهم تقريبًا، وجاءت الحرب المقدسة ستارًا مدهشًا يمكن للجميع أن يتحركوا من خلاله لضمان تحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي, وبوسعنا أن نورد عشرات التعبيرات الواردة في المصادر التاريخية والحوليات المعاصرة تصف الصليبيين بأنهم «فرسان المسيح» و «رجال المسيح» أولئك الذين يكونون «جيش المسيح» و «الشعب المقدس» و «شعب الرب» وهي كلها تعبيرات تشير بأن فكرة الحرب الصليبية كانت قد رسخت في الأذهان بحيث كان الناس على اقتناع كامل بأنهم حين يشاركون في هذه الحملة لا يفعلون ذلك استجابة لأوامر أي مخلوق، ولا حتى البابا نفسه، وإنما هم يطيعون الرب [1] .

-الاجتماع الاستشاري للبابا بعد خطابه: كان البابا أوربان الثاني يجتمع مع رجال الدين النصراني ويستشيرهم في حشد الطاقات الرسمية والشعبية لغزو المسلمين، فقد اجتمع مع أساقفته وبعد هذا الاجتماع الاستشاري خرجوا بالقرارات الآتية:

1 -كل من ارتكب جرمًا يعاقب عليه، يصبح في حل من العقوبة إذا اشترك

(1) الخلفية الإيديولوجية للحروب الصليبية، د. قاسم عبد الله، ص 24، 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت