فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 611

عيونهم على مكامن الخطر واتَّخذوا أسباب الحيطة؟ كيف بوغتوا بالهجوم الصليبي؟ وبعدما بوغتوا به، كيف تقاعسوا عن رده؟ ما الملذات وأنواع الترف التي فتنتهم عن دينهم؟ وهل جفَّت منابعها أم بقيت تجعل الحكم مغنما لا مغرمًا؟ وتجعل المناصب العليا مصيدة للحرام لا خدمة للصالح العام؟ إن فساد نفر من الحكام جرّ على ديننا وأمتنا بلايا غليظة، إن الخونة الذين مهدوا لسقوط أنطاكية والقدس وغيرهما نسلوا في عصرنا هذا من يمهد لضياع عواصم الإسلام كلها [1] , والسكوت لا يجوز. في القارات الخمس تعطي الشعوب الحق في أن تستبقي الحاكم الذي تحب، وتستبعد الحاكم الذي تكره، فما الذي يجعل الأمَّة الإسلامية تشذ عن هذه القاعدة في أغلب أقطارها. وارتقت أجهزة الشورى ارتقاءً عظيمًا، وتطورت محاسبة الحكام تطورًا جذريا، فكيف تبقى لحاكم في بلادنا عصمة؟ وكيف يبقى فوق المساءلة؟ وظفر الفرد في أرجاء الدنيا بضمانات لصون دمه وماله وعرضه، ومثوله أمام قضاء عادل حصين إذا بدر منه خطأ، فلماذا يحرم الفرد عندنا مما توفر لغيره من خلق الله؟ وعجبت [2] لمتحدثين في الإسلام يسكتون عن هذه القضايا ويستمرئون الثرثرة في قضايا أخرى لا تمس الحاضر ولا المستقبل, وإنما تشغل الفراغ وتقتل الوقت وحسب, وكل شيء بأذهانهم إلا قضايا الحرية الفكرية والسياسية وحقوق الأفراد والشعوب مع أن هناك من الحاكمين من يرفض علانية الولاء للإسلام، ومن يطوح بنصف أصوله العلمية في التراب، ومن يأبى باستهانة تنفيذ شرائعه، ومن يفخر بتحلله من روابط العقيدة، ومن لا يرى بأسًا بتحليل الحرام وتحريم الحلال، ومن لا يبالي بقتل الألوف المؤلفة من الناس توطيدًا لسلطاته!! كيف يصح الرضا عن هؤلاء؟ ونريد - والإسلام يتعرض لمحنة كبرى - أن نحدد المواقف .. إن أعداءنا لم يكتموا من نيَّاتهم شيئًا لأنهم لم يروا أمامهم ما يبعث الكتمان أو الحذر.

اليهود يقولون: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل. والمعنى واضح يقولون: خلقت إسرائيل لتبقى .. بل يهددون بنسف هيئة الأمم، إذا اتخذت قرارًا بفصل إسرائيل!! هل بقي غموض حول أوضاعنا بعد تصريحات الفريقين؟

إن المعركة -في حقيقتها - ليست حشد بضعة ملايين من اليهود في فلسطين لسبب أو لآخر .. إن المعركة حول الوجود الإسلامي كله, وتساؤل القوم هو: لماذا يبقى الإسلام أكثر مما بقي؟ واليهود والنصارى معًا يؤمنون بالعهد القديم، ويرون أن إسرائيل حقيقة دينية لا تقاوم، ولا يجوز تركها، فإذا تحدد موقف أعداء الإسلام على ما رسموا هم فما هو موقفنا؟

(1) هموم داعية، ص 54.

(2) المصدر نفسه، ص 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت