فهرس الكتاب

الصفحة 546 من 611

الأصوب في مثل هذه المواقف، فقد أصبح الشاعر نذيرًا لأمته بالشرور التي ستطبق عليهم في الدنيا, وبغضب الله في الآخرة إذا هم ظلّوا متقاعدين عن الجهاد لدرء الأخطار، فلقد قال الشاعر لأهله: إن الدموع لا تغني في حروب السيوف، فدعاهم للتجمع والرد فوراءهم ما يذل الأعزة, ويبكتهم على تقاعدهم ليهبوا للجهاد:

أتهويمة في ظل أمن وغبطة ... وعيش كنوار الخميلة ناعم

وقابل لهم بين الصورتين غير المتوازنتين؛ قتال فريق من المسلمين وتقاعد الفريق الآخر، وما أفعل قوله وأشد تأثيره: أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ... إلخ البيت. فقوله: أمتي, فيها الإيجاز والتأثير ومنطق النداء والدعوة, مرة يمدحهم بالشجاعة والنخوة ويذكرهم بهما ليهبوا للجهاد، ومرة يناقشهم في أسباب الدفاع والصمود، أما حينما يخامره الشك في أن يستمعوا إلى نداءاته هذه كلها يلجأ للتأثير عليهم من جهة أخرى, هي جهة التذكير بالنساء والأعراض واحتمال وقوعها تحت أيدي الأعداء المهاجمين, وكذلك يفعل الشاعر المجهول، فبعد أن يصور لهم ما حاق بأهاليهم من شقاء وهوان يدعوهم، بصريح العبارة، إلى تلبية نداء الله بالجهاد والثأر للكرامة الإسلامية، دينًا ومتدينين وبلادًا ومسلمين [1] .

الشاعر ابن الخياط: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن الخياط: فقد حاول هذا الشاعر تحريك همة عضد الدولة زعيم الجيوش في دمشق فقال قصيدة طويلة يحثه على إعداد العدة للجهاد مطلعها قوله:

فدتك الصَّواهل قُبًّا وجردًا ... وشُمُّ القبائل شيبًا ومردًا

وذلت لأسيافِك البيض قضبًا ... ودانت لأَرماحك السُّمر مُلْدا [2]

إلى أن يقول: ... وإني لمهدٍ إليك القريض ... يُطوى على النُّصح والنصح يُهدَى

إلى كم وقد زخر المشركون ... بسيل يُهال له السيل سدًا

وقد جَاشَ من أرض إفرنجة ... جيوش كمثل جبال تردا

أنومًا على مثل هدَّ الصفاة ... وهزلا وقد أصبح الأمر جِدًّا

وكيف تنامون عن أعين ... وترتم فأسهرتموهنَّ حقدًا

(1) نصوص من أدب عصر الحروب الصّليبية، ص 36.

(2) ديوان ابن الخياط، ص 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت