فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 611

الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 16] .

فألبس جلد ثور بقرنيه وعُلِّق بكلّوب في شِدْقيه، ورفع إلى الخشبة حيًّا، فجعل يضطرب إلى آخر النهار، فمات رحمه الله، وكان آخر كلامه أن قال: الحمد لله الذي أحياني سعيدًا وأماتني شهيدًا [1] . وكان هذا الوزير قد سمع الحديث من أبي أحمد الفَرَضيَّ وغيره، ثم كان أحد المعَدَّلين، ثم استكتبه الخليفة القائم بأمر الله واستوزره ولقَّبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الورى، وكان متضلعًا بعلوم كثيرة مع سداد رأي ووفور عقل، وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهرًا, ولما قتل كان له من العمر ثنتان وخمسون سنة

وخمسة أشهر [2] .

4 -القائم بأمر الله وعبادته ودعاؤه الذي علق على الكعبة: سار الخليفة القائم بأمر الله إلى محل اعتقاله إلى حديثة عانة فكان عند مهارش أميرها حولًا كاملًا وليس معه أحد من أهله، فحكي عن الخليفة القائم بأمر الله أنه قال: لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة، فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثم دعوت الله بما سنح لي، ثم قلت: اللهم أعِدْني على وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي ويَسر اجتماعنا، وأعد روض الأُنس زاهرًا، وربع القرب عامرًا، فقد قلّ العزاء وبرح الخفاءُ، قال: فسمعت قائلًا على شاطئ الفرات يقول: نعم نعم, فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال والابتهال فسمعت ذلك الصائح يقول: إلى الحول إلى الحول، فعلمت أنه هاتف أنطقه الله بما جرى الأمر عليه. وكان كذلك، خرج من داره من ذي القعدة من هذه السنة، ورجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة، وقد قال الخليفة القائم في مقامه بالحديثة شعرًا يذكر فيه حاله، فمنه قوله:

خابت طنوني فيمن كنت آمُلُه ... ولم يَجُلْ ذكر من واليت في خلدي

تعلَّموا من صروف الدهر كلُّهُم ... فما أرى أحدًا يحنو على أحد [3]

ومن ذلك أيضًا قوله:

مالي من الأيام إلا موعِدٌ ... فمتى أَرَى ظَفَرًا بذاك الموعد

يومي يَمُرُّ وكلما قضَّيتُه ... علَّلْتُ نفسي بالحديث إلى غد

أحيا بنفسي تستريح إلى المنُى ... وعلى مطامعها تروح وتفتِدي [4]

(1) البداية والنهاية (15/ 759) .

(2) المصدر نفسه (15/ 763) .

(3) المصدر نفسه (15/ 758) .

(4) البداية والنهاية (15/ 758) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت