فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 328

قامت في عصرنا شرذمة من المتجددين المستغربين تدعي أن ربا البنوك والمؤسسات التجارية الأخرى ليست ربًا منهيًا عنه وأولوا آيات الربا وأحاديثه بتأويلات مختلفة، وأبرز شبههم:

الشبهة الأول: إنما المحرم من الربا ما جاوز قدره على أصل القرض، فأما إذا اشترطت الزيادة اليسيرة على رأس المال، فإنها ليست محرمة واعتلوا لذلك بقوله - جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} (1) ، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى قيَّد النهي عن الربا بكونه أضعافًا مضاعفة فظهر أن مطلق الربا ليس بحرام.

وإن هذا النوع من الاستدلال يقل من أن يذكره في كتاب علمي، أو يرد عليه بأدلة علمية غير أن الجهل قد شاع في عصرنا، فجعل الناس يغترون بأمثال هذه الدلائل، فأردنا أن نأتي بتفنيدها {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (2) .

فالحق أن الآيات القرآنية والأحاديث الثابتة ناطقة بأن الربا حرام مطلقًا سواء كان قليلًا قدره أو كثيرًا، وأما قوله تعالى: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} ، فليس قيد لحرمة الربا، وإنما هو بيان لصورة مخصوصة من الربا كانت رائجة عند العرب، وليس المراد منه أن الربا جائز إن لم يكن أضعاف رأس المال، وهذا كقوله تعالى: {وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} (3) ، فإنه لا يستلزم أن بيع الآيات الإلهية جائز إذا كان الثمن كثيرًا، فكما أن قيد الثمن القليل ليس احترازيًا في الآية، فكذلك قيد الأضعاف ليس احترازيًا في الآية المذكورة، ويدل على ذلك دلائل تالية:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4) ، فإنه أمر بترك كل مقدار من الربا دون أي تفصيل بين القليل والكثير.

(1) آل عمران:130.

(2) الأنفال: من الآية42.

(3) البقرة: من الآية41.

(4) البقرة:278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت