الشبهة الثانية: إن ربا البنوك جائز؛ للفرق بين ديون الاستثمار وديون الاستهلاك؛ إذ كان الناس في الجاهلية وفي عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستدينون لحاجتهم الوقتية، وأغراضهم الشخصية، ولم يكن غرض المستقرض إلا استهلاك ما استقرضه في سدّ حاجته الوقتية: كسد الفاقات، ومعالجة المرضى، وتكفين الموتى، فمطالبة الزيادة على مثل هذه الديون كانت قساوة وظلمًا، ومن ثم نهى عنها الله سبحانه وتعالى أشد النهي، وآذن عليها بحرب من الله ورسوله.
وأما البنوك والمؤسسات المالية الحديثة فلا يكون المستقرض فيها رجلًا معدمًا أو مفلسًا، ولا يستقرض لسد حاجته الشخصية، وإنما يكون المستقرضون فيها رجالًا أثرياء، ولا يستقرضون الأموال إلا للتجارة أو الاستثمار ويحصلون بها على أرباح جمة وأموال موفورة، فلو طالبهم المقرض بزيادة على رأس المال لم يكن ذلك من القساوة والظلم في شيء، ولا يوجد فيه ذلك المعنى الذي حرم لأجله الربا.
والربا المحرم إنما هو زيادة شرطت في قرض استهلاك، وأما الزيادة المشروطة في قرض استثمار فليس ربا وإنما هو ما يسمى في علم الاقتصاد فائدة. وهذا الاستدلال منهم باطل، وذلك لأنه يقوم على أساسين:
الأول: إن ما لم يكن موجودًا في عهد نزول القرآن لا يمكن أن يحرمه القرآن.