وبطلانه ظاهر، وذلك أن القرآن الكريم حينما يحرم شيئًا يحرم حقيقته، وإن كانت تلك الحقيقة موجودة في عهد نزوله في صورة مخصوصة، فلا يقتضي ذلك أن تكون الصور الأخرى من تلك الحقيقة خارجة عن النهي والحرمة، بل تكون الحرمة واقعة على تلك الحقيقة مهما تغيرت صورها في الأزمنة الآتية، ومثاله: إن القرآن الكريم لما حرم الخمر فقد حرم حقيقتها دون صورها الموجودة في عهد نزوله بخصوصها، فهل يجوز لعاقل أن يقول: إنما الحرام تلك الصور المخصوصة من الخمر التي كانت موجودة في عهد نزول القرآن، والتي كانت تصنع بالأيدي، ولا تحرم هذه الخمور الحديثة التي تصنع بالماكينات والطرق الكيماوية، وكذلك لما حرم القرآن الربا فقد حرم حقيقته وهي الزيادة المشروطة، ولم يحرم الصور الموجودة منه في عهد نزوله بخصوصها فتدخل في الحرمة كل صورة تصدق عليها هذه الحقيقة، سواء كانت تلك الصورة موجودة عند نزول القرآن، أو كانت محدثة فيما بعد من الزمان.
الثاني: إن قرض الاستثمار لم يكن موجودًا في عهد نزول القرآن.
وهذا باطل أيضًا، ومن أمثلة وجود قرض الاستثمار في تلك الأزمنة:
عن ابن جريح، قال: (( كانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير ) ) (1) . وكانت هذه القبائل في الجاهلية كالشركات المساهمة اليوم تجمع الأموال وتتجر بها، فلم تكن هذه الديون ديونًا شخصية وإنما كانت ديونًا اجتماعية.
إن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها فخرجت إلى بلاد كلب فاشترت وباعت (2) .
(1) ينظر: الدر المنثور 1: 366، وغيرها.
(2) ينظر: تاريخ الطبري 3: 87، وغيرها.