إن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - استقرض من عثمان بن عفان - رضي الله عنه - سبعة آلاف درهم (1) . والظاهر أن هذا الاستقراض لم يكن لسد جوع وقتئذ، أو لتجهيز ميت، أو تكفينه، فإن سبعة آلاف درهم لا تستقرض لمثل هذه الحاجات، وإنما كان هذا قرض استثمار؛ لأن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - لم يكن من فقراء الصحابة، بل كان من أغنيائهم، فإنه كان الرجل الوحيد في غزوة بدر الذي كان راكبًا على فرس، كما صرح به الحافظ ابن حجر، ولا سيما بعد غزوة خيبر فعن موسى بن يعقوب عن عمته عن أمها قالت: (( بعنا طعمة المقداد التي أطعمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر خمسة عشر وسقًا شعيرًا من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم ) ) (2) .
إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يتجر وهو خليفة، وجهَّز عيرًا إلى الشام، فبعث إلى عبد الرحمن بن عوف يستقرضه أربعة آلاف درهم (3) . وهذا مثال صريح للاستقراض للتجارة.
فهذا نزر يسير، يبيِّن أن ديون الاستثمار ليست من الأشياء المحدثة التي وجد بعد الثورة الصناعية (4) .
الشبهة الثالثة: إن المستقرضين في ديون الاستثمار يكونون رجالًا أثرياء ويحصلون بها على أرباح كثيرة، فلو طالبهم المستقرض بزيادة على رأس المال فلا حرج في ذلك. ويجاب عنه من وجهين:
إن رفع الظلم حكمة عظيمة لحرمة الربا، وليست علة لها، والحكم إنما يدار على العلة لا على الحكمة، وهذا الأمر ظاهر للعلماء الراسخين لا يحتاج إلى بيان، ولكن كثيرًا من أصحاب الظاهر لا يفهمون الفرق بين العلة والحكمة، ويمن بيان الفرق بينهما في المثال التالي:
(1) في سنن البيهقي الكبير 10: 184، وغيرها.
(2) في طبقات ابن سعد 3: 163، وغيرها.
(3) في طبقات ابن سعد 3: 278.
(4) ومن أراد التوسع فليراجع تكملة فتح الملهم ص573-574، وغيرها.