فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 328

كل أحد يشاهد اليوم أن الحكومات قد وضعت على ملتقيات الشوارع إشارات كهربائية تحمر مرة، وتخضر أخرى، وقد أمرت جميع المراكب السارية على الشوارع أن تقف كلما رأت تلك الإشارات حمراء، وتسير إذا رأتها خضراء، والحكمة لحكم الوقوف حفظ المراكب عن الاصطدام، وعلته حمرة القمقمة، فحكم الوقوف لا يدور مع حكمته، وإنما يدور مع علته، ولذلك إن جاءت سيارة مثلًا ورأت القمقمة الحمراء وجب عليها الوقوف، وإن لم يكن هناك أي خطر للاصطدام ولا يسع لسائقها أن يقول: إنما كان حكم الوقوف؛ لصيانة الناس عن المصادمة، فحيث لا خطر للمصادمة جاز لنا أن نعبر الشارع رغم حمرة القمقمة.

فكذلك رفع الظلم حكمة لحرمة الربا، ولكن حكم الحرمة لا يدور معها، فلو سلمنا انتفاء الظلم في صور الربا، فلا يستلزم ذلك جوازه؛ لبقاء علته وهي الزيادة المشروطة في القرض.

لا يصح أن يقال: إنه لا ظلم في ربا الاستثمار، فإنه إذا استدان الرجل من أحد شيئًا وجعله في التجارة، فالتجارة تحتمل الوضيعة والخسران، كما تحتمل الربح والنفع، وإن الرجل المرابي يأخذ الربا في كلتا الصورتين، ولا يقل الظلم فيه عن ظلم الربا في ديون الاستهلاك.

والإنصاف أن ينظر الدائن في دينه هل يقرض ذلك إعانة للمستقرض أو يريد أن يشاركه في أرباحه، فإن كان المقصود هو الأول فلا حق له إلا في رأس المال، وإن كان المقصود هو الثاني، فالإنصاف أن يشاركه في أخطار التجارة أيضًا ولا يطالبه بالربح إلا إذا ربحت تجارته، وإنما يمكن ذلك في المضاربة دون الربا، وليس الربا إلا حيلة قبيحة لإحراز نفسه عن أخطار التجارة والانتفاع بأرباحها، فإنه يضمن لصاحب المال بفائدة معينة وبقطع النظر عن العامل الذي يتحمل مشاق العمل ويطالبه بتلك الفائدة المعينة لو أصبح ذلك العامل مفلسًا بالوضيعة في تجارته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت