قلتُ: إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قم عليه الدليل لا اتفق عليه العوام جيلا بعد جيل وقبيلا بعد قبيل، فأعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها ونسعى في هدم منارها صاردة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه ويجعلونه طائفا على قبره، فينشأ وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه. فنشأ على هذا الصغير وشاخ عليه الكبير ولا يسمعون من أحد عليهم من نكير. بل ترى ممن يتسم بالعلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور آكلا ما ينحر على القبور، فيظن العامة أن هذا دين الإسلام وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر.
ولنضرب لك مثلا من ذلك وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها، قد ملأت الديار والبقاع وصارت أمرا مأنوسا لا يلج 'نكارها إلى سمع من الأسماع وقد امتدت أيدي المكاسين في اشرف البقاع في مكة أم القرى يقبضون من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون على الإنكار معرضون عن الإيراد والإصدار. أفيكونالسكوت دليلا على حل وإحرازها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك.