فإن انتفى أحدها لم ينتفِ الآخر. ومثاله: مرور فرد من أفراد علماء الدين بأحد المكاسين وهو يأخذ أموال المظلومين. فهذا الفرد من علماء الدين لا يستطيع التغيير على هذا الذي يأخذ أموال المساكين باليد ولا باللسان لأنه يكون سخرية لأهل العصيان، فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين. ولم يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان. فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتا على الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار باليد واللسان وأنه قد أنكر بقلبه. فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب والتأويل لهم ما أمكن ضربة لازب. فالداخلون إلى الحرم الشريف والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرقت كلمة الدين وشتتت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلا بالقلب كالمارين على المكاسين وعلى القبوريين.
ومن هنا يعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في بعض ما يستدلون عليه أنه"وقع ولم ينكر فكان إجماعا"، ووجه اختلاله أن قولهم"ولم ينكر"رجم بالغيب. فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان. وأنت تشاهد في زمانك أنه كم من أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك وأنت منكر له بقلبك، ويقول الجاهل إذا رآك تشاهده"سكت فلان عن الإنكار"يقوله إما لائما أو متاسيا بسكوته، فالسكزت لا يستدل به عارف. وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال:"فعلَ فلان كذا وسكت الباقون فكان إجماعا"مختلا من جهتين.
الأولى: دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان، لما عرفت من عدم دلالة السكوت على التقرير.
الثانية: قولهم:"فكان إجماعا"فإن الإجماع اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف حتى يعرب عنه لسانه.
قال بعض الملوك ـ وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله وفيهم رجل ساكت ـ مالك لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم.