وهذه قاعدة جليلة فإن أكثر الناس يُقْصر نطره على نفس اللفظ الدال على ذلك القول أو الفعل من دون أن يفكر في أصله وقاعدته التي أوجبت حضور ذلك الفعل والقول، والفطن اللبيب ينظر إلى الأمرين ويعرف أن هذا لازم لهذا، أو هذا ملزم لهذا. وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى الجليل، ولكن لشدة الحاجة إليه أوردناه على أسلوب آخر، فمن ذلك أن قوله عن عباد الرحمن أنهم: { يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا } [الفرقان: 63] ، ذلك صادرعن وقارهم وسكينتهم وخشوعهم وعن حملهم الواسع وخلقهم الكامل وتنزيههم لأنفسهم عن مقابلة الجاهلين، ومثل قوله: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } [النمل: 17] ، يدل على ذلك حسن إدارة المُلْك وكمال السياسة وحسن النظام.
وقوله تعالى: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [القصص: 55] ، يدل على حسن الخلق ونزاهة النفس عن الخلاق الرذيلة وعلى سعة عقولهم وقوة حملهم واحتمالهم ومثل الأخبار عن أهل الجاهلية في تقتيل أولادهم خشية الفقر أو من الإملاق يدل على شدة هلعهم وسوء ظنونهم بربهم وعدم ثقتهم بكفايته، وكذلك قوله عن أعداء رسول الله: { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } [القصص: 57] ، يدل على ظنونهم بالله وأن الله لا ينصر دينه ولا يتم كلمته، وأمثلة هذا الأصل واضحة لكل صاحب فكرة حسنة.
القاعدة السابعة والستون: يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق، للخروج من الشبهات والتوهمات
وهذه القاعدة جليلة يعبر عنها: بأن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يعارض المحقق. ونحوها من العبارات.
وقد نبه الله عليها في مواضع كثيرة: