أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده، نعم الطاعات ونعم الملذات، فترغب إليه أن يلهمك ذكرها ويوزعك شكرها، لأن شكرها لا ينال إلا بتوفيقه، والذنوب من خذلانه، وتخليه عن عبده وتخليته بينه وبين نفسه، وإن لم يكشف ذلك على عبده فلا سبيل له إلى كشفه عن نفسه، فإذا هو مضطر إلى التضرع والابتهال إليه أن يدفع عنه أسبابها حتى لا تصدر منه، وإذا وقعت بمقتضى البشرية فهو مضطر إلى التضرع والدعاء أن يدفع عنه موجباتها وعقوباتها، فلا ينفك العبد عن ضرورته إلى هذه الأصول الثلاثة، ولا فلاح له إلا بالشكر وطلب العافية والتوبة النصوح.
وإن مدار ذلك على الرغبة والرهبة، وليس بيد العبد، بل بيد مقلب القلوب ومصرفها كيف يشاء، فإن وفق عبده أقبل بقلبه إليه وملأه رغبة ورهبة، وإن خذله تركه ونفسه ولم يأخذ بقلبه إليه ولم يسأله ذلك، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
فإن قيل: هل التوفيق والخذلان سبب أم هما بمجرد المشيئة؟
فالجواب: إن التوفيق والخذلان سببهما أهلية المحل، فإذا كان المحل قابلا للنعمة بحيث يعرفها ويعرف قدرها ويشكر المنعم بها ويثني عليه، ويعلم أنها من عين الجود والمنة من غير أن لكون هو مستحقا لها.
وعلم إن أدامها عليه فذلك محض صدقته وفضله وإحسانه، وإن سلبه إياها فهو أهل لذلك مستحق له، وكلما زاد من نعمة ازداد ذلا وانكسارا وخضوعا بين يديه، وقياما بشكره، وخشية له سبحانه أن يسلبه إياها لعدم توفيقه لشكرها، كما سلب نعمته عمن لم يعرفها ولم