فمثلًا: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن زيارة القبور، وهذا في ابتداء الأمر؛ لما كان ذلك يفضي إلى عبادتها وتعظيمها، ولما كانت قلوب الناس متعلقة بعبادة الصالحين والأولياء، وعبادة الأحجار والأصنام والأوثان، لكن لما زالت تلك المفسدة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يحذر لأجلها من زيارة القبور ترك النبي عليه الصلاة والسلام المنع من زيارة القبور، فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها تذكر بالآخرة) ، فلما غلبت المصلحة على المفسدة أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بزيارة القبور. إذًا: الذريعة مترددة بين السد والفتح بحسب المصلحة التي ينظر إليها العالم؛ فإذا كان العالم ممن يقصر نظره في تلك المسألة فقد يفتي بالحق وعدم موافقة النص العام الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا ينبغي للمفتي أن يكون محيطًا بسائر أعيان النوازل التي ترد على الناس، وأن يعرف مآلاتها، وأن يكون بصيرًا بذلك من غير أن يشوب ذلك هوى، وألا ينظر إلى أحوال الناس وأفعالهم سواءً في إعمال النصوص بباب الحق أو باب الباطل.
فالنبي عليه الصلاة والسلام قد هدم مسجد ضرار، وهو في ظاهر الأمر مسجد قد عمل ليعبد به الله جل وعلا، لكنه هدمه تعظيمًا للذريعة المفضية إليه من شق صفوف المسلمين، فهذه الذريعة التي أخذ بها النبي عليه الصلاة والسلام وسدها, وجعل كل مصلحة دونها مفسدة؛ لتحقق تلك المفسدة العظمى، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام كل مفسدة في طريق تلك المفسدة العظمى إزالتها من المصالح الراجحة في الشريعة.