فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 54

وهذا يختلف فيه أنظار كثير من الناس بحسب المآلات، ولهذا يكثر عند كثير من المفتين، أو عند طلاب العلم الاختلاف في كثير من النوازل، والسبب في ذلك أنهم ينظرون إلى متعلقات النوازل بالنصوص، ولا ينظرون إلى متعلقاتها بالمآلات، فتجرد منهم أحد شرطي الاجتهاد؛ وهو معرفة المقاصد، فإذا تجرد من الإنسان معرفة المقاصد لم يكن أهلًا للفتيا، وقد يكون العالم من أهل المعرفة بالمقاصد، ولكنه يجهل مآل نازلة بعينها، ويفتي بها على عجل، ويقع حينئذٍ في الخلاف والاضطراب، ثم إن ذلك لا يمنع العالم من الرجوع إذا علم أن تلك المآل قد زالت، فإذا أفتى عالم من العلماء بسد باب من الأبواب لذريعة توصل إليه من المحرمات؛ فإنه إذا زالت تلك الذريعة ينبغي عليه -ديانة لله عز وجل- أن يفتي بإباحتها إذا زالت تلك الذريعة، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يمنع من زيارة القبور، ثم زالت تلك الذريعة؛ وهي خشية أن تبذل العبادة لغير الله عز وجل -وذلك خطر عظيم- فلما زالت تلك المفسدة وبقيت مصلحة لا تقاوم تلك المفسدة وهي التزهيد بالدنيا، وتذكر الآخرة، وهي مصلحة يمكن تحقيقها في غير ذلك؛ رخص النبي عليه الصلاة والسلام لأجلها؛ لزوال تلك المفسدة، واستقرار التوحيد وظهوره في الناس, وكذلك تحطيم أصنام الشرك في جزيرة العرب مع بقاء ذلك. ولهذا قد يقال: إن العالم قد يفتي بتحريم زيارة الرجال للقبور إذا كان في بلد من البلدان ينتشر في ذلك الإشراك مع الله عز وجل غيره، فإذا وجد ذلك وجب عليه حينئذٍ أن يفتي بذلك؛ لأن هذا الأمر في ظاهر النص متعلق بالذريعة؛ كما هو ظاهر في النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمثلة فيه كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أئمة الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت