يترخص ويتساهل، ومنهم من يأخذ الضرورة والحاجة بقدرها، ولهذا لما كان الناس على مثل هذه الحال وجب على المفتي أن يكون شديد الاحتراز.
وهنا جملة من المسائل تشكل على بعض طلاب العلم عند الكلام على مسألة سد الذرائع وفتحها, وما يتعلق فيها، فمنها: مسألة المصالح المرسلة ونحو ذلك، المصالح المرسلة هي من جهة الأصل فرع عنها قاعدة سد الذرائع، فإذا فهم الإنسان المصلحة بنى عليها سد الذريعة، فإذا ترجحت المصلحة فتح الذريعة فيها, وإذا ترجحت المفسدة سد الذريعة، وإذا ترددت بينهما أخذ الإنسان بباب الاحتياط، وأخذ أيضًا بجانب الورع.
أحوال الذرائع عند العلماء
ولهذا العلماء عليهم رحمة الله يقسمون الذرائع إلى أحوال: الحال الأولى: ذريعة محرمة بالنص؛ كسب آلهة المشركين، وشرب القليل من الخمر. الحال الثانية: ذريعة غير معتبرة بالنص؛ كالمنع من زراعة العنب أو التمر؛ لأنه يتخذ خمرًا، فهذه ذريعة ليست بمعتبرة. الحال الثالثة: ذريعة مترددة بين ذلك أي: بين الاعتبار وعدمه، وأمثال ذلك: ما يتعلق بأبواب البيع مما يفضي إلى الربا، والعلماء يختلفون في ذلك، والإمام مالك عليه رحمة الله يكثر من سد الذرائع المفضية إلى الربا، فيشدد في جملة من صور التورق، ويشدد في كثير من المعاملات التي تفضي إلى الربا، فقد قال: فما آل إلى ربا نظر إلى مقصده وحرمت سائر وسائله. ومن العلماء من لا يأخذ ببعض الصور؛ تغليبًا لحاجة الناس، ولهذا الشريعة قد رخصت في العرايا ما فيها من الغرر؛ فتحًا للذريعة وحاجة الناس، والعرايا هي أن يبيع الإنسان ما في النخل خرصًا بالتمر، ومعلوم أن الإنسان بحاجة إلى رطب عند جذاذ النخل، ومعلوم أن التمر لابد أن يكون مثلًا بمثل، فإذا باع التمر على رءوس النخل مخروصًا، فهذا جائز، إذا كان ذلك فيه مصلحة للناس، وإذا انتفت فلا يقال بالمنع؛ لثبوت النص بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.