من تلك الأحوال التي ينبغي للعالم أن يكون على بينة فيها عند الكلام على هذه القاعدة: أن يتجرد في الفتوى فيما لم يعايشه بذاته، كالفتيا لمجتمع لم يعيشه الإنسان، مثل: الفتيا لأهل الأقليات الإسلامية الذين يعيشون في بلد الغربة، فمن يعيش في بلد الغربة يحكمه حاله، وإذا كان من أهل الورع عنده فيفتيه بقدر الحاجة، فإن الأحوال في ذلك تختلف وتتباين، فالفتيا لمن كان في بلد الإسلام تختلف عن رجل يعيش لضرورة بين ظهراني المشركين، فهذا يختلف فيه بقدره، ويعظم الإشكال في وقتنا؛ لأن الفتوى من العالم تنتشر؛ بخلاف السابق فقد يفتي الإنسان أحدٌ بخصوصه، ولا يشكل على أحد من عامة الناس، ولكن الآن الفتوى تظهر حتى وإن كانت للخاصة، فيظهرها الناس باعتبار ظهور الوسائل الحديثة، فيتأكد على العالم شدة التحري والاحتراز، وهذا لا يهمل ولا يغفل إظهار أصل الشريعة؛ من أن الشريعة أوجبت كذا, وحرمت كذا، لكن يباح فتحًا للذريعة كذا، كما يباح للمغترب مثلًا أن يلبس زي المشركين إذا كان في ذلك مفسدة عليه؛ كأن يتعرض لأذية، أو سلب، أو سب، ونحو ذلك, فلا حرج عليه أن يلبس زيهم، وقد ثبت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في المصنف- أنهم كانوا في غزوة فدخلوا وفتحوا بلاد المشركين، ولبسوا من لباسهم، وإسناد ذلك عنهم صحيح، فيحترز العالم في الفتيا في الأمور المشكلة خاصة إذا كان الرجل في أمن ويفتي لمن كان في خوف، أو كان في خوف ويفتي لمن كان في أمن، فليس لأحد ركن إلى الدنيا أن يفتي لأهل الثغور والجهاد، وهو في مأمن من أمره، وليس لأحد أن يفتي وهو في أوساط المسلمين أن يفتي لأحد من المغتربين في مسألة لم يعايشها، ولكن هذا -كما تقدم- لا يمنع من تقدير المسألة على وجه العموم في الشريعة, وأن الأمور تقدر بقدرها على وجه الإجمال، وذلك أن الناس يتباينون من جهة الأخذ والاعتداد بالفتوى، فمنهم من