فقالوا: ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وأما ما حرم لغيره فدل على أن التحريم ليس لذاته، فيجوز للعالم أن يرخص فيه للحاجة، بخلاف ما حرم لذاته فإنه لا يجوز بحال إلا في حال الضرورات، ومعلوم أن حال الضرورات أعلى من حال الحاجيات، فإن الإنسان إذا احتاج إلى أن يقضي شهوته لا يقال له بالزنا، لكن إذا أراد أن يخطب امرأة رخص له بأن ينظر إليها مع أنه كان محرمًا عليه أن ينظر إليها قبل ذلك؛ لأن هذا من باب سد الذرائع فرخص للحاجة، وذاك من المحرم لذاته فإنه لا يحل بحال للإنسان، وهذا هو الفرق بين ما حرم لذاته, وما حرم لأجل سد الذريعة، ولهذا العلماء عليهم رحمة الله يجعلون الذرائع هي ما بين سد وفتح، وأما ما دل عليه الدليل بنص ظاهر، فإن هذا يكون مما له حكم ما هو محرم لذاته، كحال الخمر مما حرمه الله عز وجل؛ لأن هذا يفضي إلى زوال العقل، فلما كان يفضي إلى زوال العقل حرم قليل الخمر، ولهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره, فقليله حرام) ، فحرم القليل؛ لأنه يفضي إلى غيره، قد يقال بأن القليل هو من جملة سد الذرائع بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن حتى لا يكون ذلك من جملة ما يستهان به بنصوص الشريعة فيدخل في أبواب ما حرم لذاته، ولكن عند المفتي والعالم قد يرخص به للحاجة؛ كمسألة ما يستعمل في البنج أو التخدير ونحو ذلك, فيرخص في أمثال هذه الأحوال من باب الحاجيات لا من باب الضرورات، فإن الإنسان قد يتحمل على سبيل المثال: أن يجرى له عملية في أصبعه أو في رجله يسيرة من غرز لجرح ونحو ذلك مما يتحمله أكثر الناس، ولكن دفع ذلك الألم اليسير إذا كان من باب الحاجيات يرخص فيه؛ إذا لم يتحقق فيه مفسدة أعظم من ذلك؛ وهي زوال العقل، فإن زوال العقل لا يرخص فيه بحال إلا في حال الضرورة من حفظ نفس للإنسان، وهذا يقدر بقدره، والنصوص في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة.