أما بعد: فقد ذكرنا أن أهل العلم قاطبة -الأئمة الأربعة وغيرهم- أخذوا بالقواعد المتعلقة بالنظر إلى المآلات، والنظر إلى النص، والنظر أيضًا إلى القرائن، وأشهر وأكثر من عمل بهذه القاعدة هو الإمام مالك عليه رحمة الله، ثم الإمام أحمد عليه رحمة الله، وقد وجد ذلك أيضًا في كلام الإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، وإن كان غير واحد من الأئمة الشافعية ينسب للإمام الشافعي عليه رحمة الله أنه لا يعتد بهذه القاعدة، وهذا فيه نظر، فعامة الأئمة عليهم رحمة الله تعالى على الاعتداد بها, على اختلاف في قوة نظر ذلك الإمام إلى المآلات، ولهذا الإمام الشافعي عليه رحمة الله في كتابه الأم لما مر على حديث أبي هريرة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ, جعل ذلك من أبواب سد الذرائع, وأمر بالأخذ به، والشافعية عليهم رحمة الله أيضًا يمنعون الرجل أن يظهر فطره وهو معذور، كالذي يقدم من بلد آخر وهو مسافر وقد أفطر, فإذا قدم إلى بلد فإن الأصل فيه أنه يفطر؛ لأن من أفطر أول النهار يفطر آخره, على قول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى، وجماعة من الفقهاء من أهل الكوفة كأحمد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وعبد الله بن الأسود، وغيرهم، وجماعة من الفقهاء من الشافعية أيضًا يقولون: إن من أفطر أول النهار يفطر آخره، لكن إذا قدم إلى بلد ليس له أن يظهر فطره؛ لأن هذا يفضي إلى مفسدة, فمنع ذلك سدًا للذريعة، ولهذا الشافعية يجيزون له الفطر في السر، فإذا أظهر فإنه يعزر، وليس هذا من التناقض في النصوص، ومن وصف هذا أنه من التناقض بالنصوص؛ حيث أن ذلك يجوز له في الباطن ولا يجوز له في الظاهر؛ فإن ذلك من البعد عن فهم مقاصد الشريعة, وسياسة العلماء بالأخذ بذلك، ولهذا الإمام أحمد عليه رحمة الله يعمل القاعدة في كثير من المسائل؛ كمسألة الوكالة: فمثلًا: حينما يوكل الشخص غيره ببيع أرض أو بيع بيت أو بيع مزرعة يقول: ليس