قوله: «وَإِنْ قَلَبَ مُنْفَردٌ فَرْضَهُ نَفْلًا في وَقْتِه المُتَّسع جَازَ» ، شرع المؤلِّف في بيان حكم الانتقال من نيَّة إلى نيَّة، والانتقال من نيَّة إلى نيَّة له صُور متعددة: منها: ما ذكره المؤلِّف: «قَلَبَ منفردٌ فرضَه نَفْلًا في وقته المتَّسع جاز» . مثال ذلك: دخل رَجُلٌ في صلاة الظُّهر وهو منفرد، وفي أثناء الصَّلاة قَلَبَ الفرض إلى نَفْلٍ، فهذا جائز؛ بشرط أن يكون الوقت متَّسعًا للصلاة، فإن كان الوقت ضيِّقًا؛ بحيث لم يبقَ منه إلا مقدار أربع ركعات فإن هذا الانتقال لا يصحُّ؛ لأن الوقت الباقي تعيَّن للفريضة.
وقول المؤلِّف: «وإن قَلَبَ منفردٌ» خرج بذلك المأموم، وخرج بذلك الإمام، فظاهر كلام المؤلِّف: أن المأموم لا يصحُّ أن يقلب فرضه نَفْلًا، وأنَّ الإمام لا يصحُّ أن يقلب فرضه نَفْلًا؛ لأن المأموم لو قَلَب فرضه نَفْلًا فاتته صلاة الجماعة في الفرض، وصلاة الجماعة في الفرض واجبة، وحينئذ يكون انتقاله من الفريضة إلى النَّفْل سببًا لفوات هذا الواجب، فلا يحلُّ له أن يقلب فرضه نَفْلًا، ولأن الإمام إذا قلب فرضه نَفْلًا لزم من ذلك أن يأتمَّ المأموم المفترض بالإمام المتنفِّل، وائتمام المفترض بالمتنفِّل غير صحيح. فيلزم أن تبطل بذلك صلاة المأموم، فيكون في هذا عُدوان على غيره.
فإن قيل: هل قَلْبُ الفرض إلى نَفْل، مستحبٌّ أم مكروه؟ أم مستوي الطرفين؟ فالجواب: أنه مستحبٌّ في بعض الصُّور، وذلك فيما إذا شَرَع في الفريضة منفردًا ثم حضر جماعة؛ ففي هذه الحال هو بين أمور ثلاثة: إمَّا أن يستمرَّ في صلاته يؤدِّيها فريضة منفردًا، ولا يُصلِّي مع الجماعة الذين حضروا، وإمَّا أن يقطعها ويُصلِّي مع الجماعة، وإما أن يقلبها نَفْلًا فيكمل ركعتين، وإن كان صَلَّى ركعتين، وهو في التشهد الأوَّل فإنه يتمُّه ويُسلِّم، ويحصُل على نافلة، ثم يدخل مع الجماعة، فهنا الانتقال من الفرض إلى النَّفْل مستحبٌّ من أجل تحصيل الجماعة، مع إتمام الصلاة نَفْلًا، فإن خاف أن تفوته الجماعة فالأفضل أن يقطعها من أجل أن يُدرك الجماعة.
وقد يقول قائل: كيف يقطعها وقد دخل في فريضة، وقطع الفريضة حرام؟ فنقول: هو حرامٌ إذا قطعها ليترُكَهَا، أما إذا قطعها لينتقل إلى أفضل، فإنه لا يكون حرامًا، بل قد يكون مأمورًا به.
قوله: «وَإنِ انْتَقَلَ بِنِيَّةٍ مِنْ فَرْضٍ إلى فَرْضٍ بَطَلا» ، هذه هي الصورة الثانية من صور الانتقال من نيَّة إلى نية، وهي أن ينتقل من فرض إلى آخر. مثال ذلك: شَرَعَ يُصلِّي العصر، ثم ذكر أنه صَلَّى الظُّهر على غير وُضُوء؛ فنوى أنها الظُّهر، فلا تصحُّ صلاة العصر، ولا صلاة الظُّهر؛ لأن الفرض الذي انتقل منه قد أبطله، والفرض الذي انتقل إليه لم ينوِه من أوِّلهِ.