قوله: «يقرَأُ في الأُولى «سَبِّح» ، وفي الثَّانيةِ «الكافرون» وفي الثالثة «الإخلاص» , ويقنت فيها». أي: في الثالثة.
قوله: «بَعْدَ الرُّكُوعِ» أي: بعدَ الرُّكوعِ في الثَّالثةِ.
وظاهرُ كلامِ المؤلِّفِ: أنَّه يدعو بعد أن يقول: «رَبَّنَا ولك الحَمْدُ» بدون أنْ يُكمل التَّحميدَ، ولكن لو كَمَّلهُ فلا حَرَجَ؛ لأن التَّحميدَ مفتاحُ الدُّعاءِ، فإنَّ الحَمْدَ والثَّناءَ على الله؛ والصَّلاةَ على نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم من أسباب إجابةِ الدُّعاءِ.
وظاهر كلامه: أنَّه لا يَرفعُ يديه، وهو أحدُ قولي العُلماء. والصحيح: أنَّه يرفعُ يديه. ولكن كيف يَرفعُ يديه؟ الجواب: قال العُلماءُ: يَرفعُ يديه إلى صَدرِهِ، ولا يرفَعُها كثيرًا؛ لأنَّ هذا الدُّعاءَ ليس دُعاءَ ابتهالٍ يُبالِغُ فيه الإنسانُ بالرَّفْعِ، بل دُعاءُ رَغْبَةٍ، ويبسُطُ يديْهِ وبطونَهما إلى السَّماءِ. هكذا قال أصحابُنَا رحمهم الله.
وظاهر كلام أهل العلم: أنه يضمُّ اليدين بعضهما إلى بعض، كحالِ المُستجدي الذي يطلب مِن غيره أن يُعطيه شيئًا، وأمَّا التَّفْريجُ والمباعدةُ بينهما فلا أعلمُ له أصلًا؛ لا في السُّنَّةِ، ولا في كلامِ العُلماءِ.
وقوله: «فيها» أي: في الرَّكعةِ الثَّالثةِ بعد الرُّكوعِ، هذا هو الأفضلُ، وإنْ قَنَتَ قبلَه فلا بأس، فإذا أتمَّ القِراءة قَنَتَ ثم كبَّرَ ورَكَع، فهذا جائزٌ أيضًا.
وقوله: «يقنتُ فيها» أفادنا: أَنَّ القنوتَ سُنَّةٌ في الوِترِ. وإلى هذا ذهب أصحابُ الإمامِ أحمدَ، وقالوا: إنه يُسَنُّ أن يَقْنُتَ في الوِترِ في كلِّ ليلةٍ. وقال بعضُ أهل العلم: لا يقنتُ إلا في رمضان. وقال آخرون: يَقْنُتُ في رمضان في آخرِه. والمتأمِّلُ لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يرى أنه لا يقنت في الوِترِ، وإنَّما يُصلِّي ركعةً يُوتِرُ بها ما صَلَّى. وهذا هو الأحسن؛ أنْ لا تداوم على قُنُوتِ الوِترِ؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه عَلَّمَ الحسنَ بنَ عليّ دعاءً يدعو به في قُنُوتِ الوِتْرِ، فيدلُّ على أنَّه سُنَّةٌ، لكن ليس من فِعْلِهِ؛ بل من قَوْلِهِ.
قوله: «ويقول: اللهم اهدني فيمن هديت, وعافني فيمن عافيت, وتولني فيمن توليت, وبارك لي فيما أعطيت, وقِنِي شَرَّ ما قضيتَ, إنكَ تَقضي ولا يُقضى عليك, إِنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ, ولا يَعِزُّ مَنْ عاديت, تباركت رَبَّنَا تعاليت, اللهم إني أعوذ برضاك مِن سَخَطك, وبعفوك مِن عقوبتك, وبك منك لا نحصي ثناء عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك, اللهم صل على محمد, وعلى آل محمد» ظاهر كلامه: أنه لا يبدأُ بشيءٍ قبل هذا الدُّعاءِ، لكن الصَّحيحُ أنَّه يبدأ بقوله: «اللَّهمَّ إِنَّا نَستعينُكَ، ونَستهديكَ، ونستغِفرُكَ، ونتوبُ إليكَ، ونؤمنُ بك، ونَتوكَّلُ عليك، ونُثْنِي عليكَ الخيرَ كُلَّه، ونَشْكُرُكَ ولا نَكْفُرُكَ. اللَّهمَّ إياك نعبدُ، ولك نُصلِّي ونسجدُ، وإِليكَ نَسعَى ونَحْفِدُ، نَرجو رحمَتَكَ، ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّار مُلحِق» ثم يقول: «اللَّهمَّ اهدني فيمن هَدَيتَ» إلخ، هكذا قال الإمامُ أحمدُ - رحمه الله -