فصل
قوله: «يصح اقتداء المأموم بالإِمام في المسجد, وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير» أي: يصِحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ في المسجد الواحد ولو كانت بينهما مسافاتٍ، وسواء رأى الإِمامَ والمأمومين أو لم يرَه. يسمعِ التكبير إما منه أو ممن يبلِّغُ عنه. فإن كان خارجه فيقول المؤلِّفُ:
قوله: «وكذا خارجه إن رأى الإِمام أو المأمومين» أي: وكذا يصحُّ اقتداءُ المأمومِ بالإِمامِ إذا كان خارجَ المسجدِ بشرطِ أنْ يَرى الإِمامَ أو المأمومين، إما في كل الصلاة أو في بعضها مع سماع التكبير. وظاهرُ كلام المؤلِّفِ: أنَّه لا يُشترط اتِّصالُ الصُّفوفِ، وما ذكر المؤلف هو المذهب. والقول الثاني: وهو الذي مشى عليه صاحبُ «المقنع» : أنَّه لا بُدَّ مِن اتِّصالِ الصُّفوفِ، وأنَّه لا يَصِحُّ اقتداءُ مَن كان خارجَ المسجدِ إلا إذا كانت الصُّفوفُ متَّصلةً، فإنْ لم تكن متَّصِلة فإنَّ الصَّلاة لا تَصِحُّ. وهذا القولُ هو الصَّحيح. فإذا امتلأ المسجدُ واتَّصلتِ الصُّفوف وصَلَّى النَّاسُ بالأسواقِ وعلى عتبة الدَّكاكين فلا بأس به.
قوله: «وتصح خلف إمام عالٍ عنهم» أي: عن المأمومين.
قوله: «ويُكره إذا كان العلوُّ ذِراعًا فأكثر» .أي: يُكره إذا كان الإِمامُ عاليًا على المأموم ذِراعًا فأكثر. (وهذا احد القولين في المسألة) . والقول الثاني: أنَّه لا يُكره علوُّ الإِمامِ مطلقًا. وقيَّدَ بعضُ العلماءِ هذه المسألةَ بما إذا كان الإِمامُ غيرَ مُنفردٍ بمكانِه، فإذا كان معه أحدٌ فإنه لا يُكره؛ ولو زادَ على الذِّراع؛ لأنَّ الإِمامَ لم ينفردْ بمكانِه، وهذا لا شَكَّ أنَّه قولٌ وجيهٌ؛ لأنه إنِ انفردَ الإِمامُ بمكانٍ؛ والمأمومُ بمكانٍ آخر؛ فأين صلاةُ الجماعةِ والاجتماع؟
مسألة: لو كان المأمومُ في مكان أعلى فلا يُكره، فإذا كان الإِمامُ هو الذي في الأسفل، كأن يكون في الخَلوة مثلًا، وفيه أناسٌ يصلُّون فوقَه فلا حَرَجَ ولا كراهة.
قوله: «كإمامته في الطاق» أي: كما يُكره دخول الإِمامِ في الطَّاق، والمراد بالطَّاقِ: طاقُ القِبْلة الذي يُسمَّى «المِحراب» ، فيُكره؛ لآثارٍ وَرَدت عن الصحابة؛ ولأنه إذا دَخَلَ في الطَّاق استتر عن بعض المأمومين فلا يَرَونه لو أخطأ في القيام أو الرُّكوع أو السُّجود فلهذا يُكره، ولكن إذا كان لحاجة مثل: أن تكون الجماعةُ كثيرةً؛ واحتاج الإِمامُ إلى أن يتقدَّمَ حتى يكون في الطَّاقِ فإنه لا