الصفحة 318 من 354

والاستسقاء الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ورد على أوجه متعددة، وليس لازمًا أن تكون على الصفة التي وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام أي: طلب السُقيا، فللناس أن يستسقوا في صلواتهم، فإذا سجد الإنسان دعا الله، وإذا قام من الليل دعا الله عز وجل.

قوله:"صلوها جماعة وفرادى"، أي: صلاة الاستسقاء وستأتي صفتها، والأفضل أن تكون جماعة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله:"وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد".، وعلى هذا فتسنّ في الصحراء؛ لأن صلاة العيد تسنّ في الصحراء. ويكبر في الأولى بعد التحريمة والاستفتاح ستًا، وفي الثانية خمسًا، ويقرأ بسبّح والغاشية. ولكنها تخالف العيد في أنها سنّة، والعيد فرض كفاية.

قوله:"وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي، والخروج من المظالم، وترك التشاحن، والصيام والصدقة"، يحتمل أن يريد به الإمام الذي يصلي بهم صلاة الاستسقاء، ويحتمل أن يراد به الإمام الأعظم وهو السلطان، والمعنى الأول أقرب.

قوله:"والصيام"، أي: يأمرهم أن يصوموا. قال بعض العلماء: يأمرهم أن يصوموا ثلاثة أيام، ويخرج في اليوم الثالث. وقال بعضهم: يجعل الاستسقاء يوم اثنين أو خميس، هكذا قال المؤلف. ولكن في هذا نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الاستسقاء لم يأمر أصحابه أن يصوموا.

أما ما ذكره المؤلف أولًا من التوبة من المعاصي، والخروج من المظالم فهذه مناسبة، لكن الصيام طاعة تحتاج إلى إثباتها بدليل، وإذا كان الأمر قد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر أصحابه بالصيام، فلا وجه للأمر به. لكن نقول: لو اختار يوم الاثنين ولم يجعله سنة راتبة دائمًا من أجل أن يصادف صيام بعض الناس، لو قيل بهذا لم يكن فيه بأس. لكن كوننا نجعله سنة راتبة لا يكون الاستسقاء إلا في يوم الاثنين، أو نأمر الناس بالصوم، فهذا فيه نظر.

قوله:"ويعدهم يومًا يخرجون فيه". أي: يقول: سنخرج في يوم كذا، ويحسن أيضًا أن يعيِّن الزمن من هذا اليوم فيقول: في ساعة كذا؛ ليتأهبوا على وجه ليس فيه ضرر عليهم.

قوله:"ويتنظف، ولا يتطيب"، وعللوا ذلك: بأنه يوم استكانة وخضوع، والطيب يشرح النفس، ويجعلها تنبسط أكثر، والمطلوب في هذا اليوم الاستكانة والخضوع. وهذا أيضًا مما في النفس منه شيء؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الطيب، وكان يحب الطيب، ولا يمنع إذا تطيب الإنسان أن يكون متخشعًا مستكينًا لله - عز وجل -، ولهذا لو أراد الإِنسان أن يدعو الله بغير هذه الحال، لا نقول: الأفضل ألا تطيب من أجل أن تكون مستكينًا لله.

قوله:"ويخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا"، هذه أوصاف تدل على أن الإنسان لا يخرج في فرح وسرور؛ لأن المقام لا يقتضيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت