الصفحة 52 من 354

وهذا ممكن ولا سيَّما في العصور المتأخِّرة، كأن يُجرى للإنسان عمليَّةٌ جراحيَّةٌ حتى يخرج الخارج من جهة أخرى. فإذا خرج بول، أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض، قلَّ أو كَثُرَ. وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط. وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله. وهذا قولٌ جيد، بدليل: أنه إذا تقيَّأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوءُه على القول الرَّاجح، أو ينتقض إن كان كثيرًا على المشهور من المذهب. ويُستثنى مما سبق مَنْ حَدَثُه دائمٌ، فإنَّه لا ينتقضُ وضوءُه بخروجه؛ كَمَنْ به سلسُ بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصَّةٌ في التطهُّر تأتي إن شاء الله.

جوظاهر قوله:"إن كان بولًا، أو غائطًا"أن الرِّيح لا تنقض إذا خرجت من هذا المكان الذي فُتِحَ عوضًا عن المخرج، ولو كانت ذات رائحة كريهة، هذا ما مشى عليه المؤلِّف، وهو المذهب. وقال بعضُ العلماء: إنهاتنقضُ الوُضُوءَ، لأن المخرج إذا انسدَّ وانفتح غيره كان له حكمُ الفَرج في الخارج، لا في المسِّ، لأنَّ مسَّه لا ينقض الوُضُوء كما سيأتي إن شاء الله.

قوله:"أو كثيرًا نجسًا غيرَهُما", أي: أو كان كثيرًا نجسًا غير البول والغائط، فقيَّد المؤلِّفُ غير البول، والغائط بقيدين. الأول: كونُه كثيرًا. (و) الثاني: أن يكون نجسًا. ولم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؛ لأن كليهما نجس، ولأنَّ قليلَهُما وكثيرَهُما ينقض الوُضُوء.

جوقوله:"أو كثيرًا"أطلق المؤلِّف الكثير، والقاعدة المعروفة: أنَّ ما أتى، ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعُه إلى العُرف، وقال بعض العلماء: إن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه، فكلُّ من رأى أنَّه كثيرٌ صار كثيرًا، وكلُّ من رأى أنه قليلٌ صار قليلًا. وهذا القول فيه نظر؛ لأنَّ من النَّاس من عنده وِسواس، فالنُّقطَةُ الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإذا خرج منه دم كثير قال: هذا قليل. والصَّحيح الأول: أن المعتبر ما اعتبره أوساط النَّاس، فما اعتبروه كثيرًا فهو كثير، وما اعتبروه قليلًا فهو قليل.

وقوله:"نجسًا غيرَهُما"نجسًا: احترازًا من الطَّاهر، فإذا خرج من بقية البدن شيء طاهر، ولو كَثُرَ فإنه غيرُ ناقض كالعَرَق، واللُّعاب ودمع العين. وقوله:"غيرَهُما"أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا الدَّمُ، والقيءُ، ودَمُ الجروح، وماءُ الجروحِ وكلُّ ما يمكن أن يخرج مما ليس بطاهر. فالمشهور من المذهب أنَّه إذا كان كثيرًا إما عُرفًا، أو كل إنسان بحسب نفسه ـ على حسب الخلاف السابق ـ أنَّه ينقض الوُضُوء، وإن كان قليلًا لم ينقض. وذهب الشافعيُّ والفقهاء ُالسَّبعةُ: إلى أنَّ الخارج من غير السَّبيلين لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر إلا البول والغائط. وهذا هو القول الثاني في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو القول الرَّاجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت