الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ: قَالَ جَابِرٌ:"كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ , فَنَزَلَتْ الْآيَةُ". وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ. الثَّانِيَةُ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ , {عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قوله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} قَالَ: يَاتِيهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إذَا كَانَتْ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. الثَّالِثَةُ: رَوَى التِّرْمِذِيُّ , {أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: هَلَكْت. قَالَ: وَمَا أَهْلَكَك؟ قَالَ: حَوَّلْت رَحْلِي الْبَارِحَةَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} : فَقَالَ: أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ , وَاتَّقِ الدُّبُرَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا ; فَجَوَّزَهُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ , وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِ جِمَاعُ النِّسْوَانِ وَأَحْكَامُ الْقُرْآنِ"وَأَسْنَدَ جَوَازَهُ إلَى زُمْرَةٍ كَرِيمَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالِكٍ مِنْ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ , وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ:"كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ , فَأَخَذْت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَان قَالَ: أَتَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ؟ قُلْت: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا , ثُمَّ مَضَى , ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِحَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: {فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . قَالَ: يَاتِيهَا فِي. . وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ شَيْئًا. وَيُرْوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ:"وَهَلَ الْعَبْدُ"فِيمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ النَّسَائِيّ , عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّهُ قَالَ لِنَافِعِ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ:"قَدْ أُكْثِرُ عَلَيْك الْقَوْلَ , إنَّك تَقُولُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّهُ أَفْتَى بِأَنْ يَاتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ. قَالَ نَافِعٌ: لَقَدْ كَذَبُوا عَلَيَّ , وَلَكِنْ سَأُخْبِرُك كَيْف كَانَ الْأَمْرُ ; إنَّ ابْنَ عُمَرَ عَرَضَ الْمُصْحَفَ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَهُ حَتَّى بَلَغَ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قَالَ: يَا نَافِعُ , هَلْ تَعْلَمُ مَا أَمْرُ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قُلْت: لَا. قَالَ لَنَا: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَجِيءُ النِّسَاءَ , فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ وَنَكَحْنَا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ أَرَدْنَا مِنْهُنَّ مَا كُنَّا نُرِيدُ مِنْ نِسَائِنَا وَإِذَا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَهُ , وَكَانَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ إنَّمَا يُؤْتَيْنَ عَلَى جُنُوبِهِنَّ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} ."
قَالَ الْقَاضِي: وَسَأَلْت الْإِمَامَ الْقَاضِيَ الطُّوسِيَّ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا بِحَالٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْفَرْجَ حَالَ الْحَيْضِ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ , فَأَوْلَى أَنْ يُحَرِّمَ الدُّبُرَ بِالنَّجَاسَةِ اللَّازِمَةِ.
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ النِّكَاحِ
, فَنَقُولُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي الْأَصْلِ أَحَدِهِمَا: فِي بَيَانِ حُكْمِ النِّكَاحِ , وَالثَّانِي: فِي بَيَانِ مَا يَرْفَعُ حُكْمَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ , فَالنِّكَاحُ لَا يَخْلُو (إمَّا) أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا (وَإِمَّا) أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا , وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ (أَمَّا) . النِّكَاحُ الصَّحِيحُ , فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ , وَبَعْضُهَا مِنْ التَّوَابِعِ , أَمَّا الْأَصْلِيَّةُ مِنْهَا , فَحِلُّ الْوَطْءِ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي الظِّهَارِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ , وَتَعَالَى {, وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} نَفَى اللَّوْمَ عَمَّنْ لَا يَحْفَظُ فَرْجَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ فَدَلَّ عَلَى حِلِّ الْوَطْءِ إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ خُصَّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} , وَالنِّفَاسُ أَخُو الْحَيْضِ , وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} . وَالْإِنْسَانُ بِسَبِيلٍ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي حَرْثِهِ مَعَ مَا أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ إتْيَانَ الْحَرْثِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {, فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ , فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ