فهرس الكتاب
وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ. قَوْلُهُ: وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَحْرِيمِهِ وَلَا فِي تَحْلِيلِهِ شَيْءٌ , وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَلَالٌ , قُلْت: هَذَا سَمِعَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ مُحَمَّدٍ , وَكَذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ , وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ لَهُ , وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ , عَنْ الْأَصَمِّ , عَنْهُ , وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ , عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ مُوسَى , عَنْ الْأَصَمِّ. وَرَوَى الْحَاكِمُ , عَنْ نَصْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُعَدَّلِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ الْفَقِيهِ , قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيَاضٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ قَالَا: نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِيَانِ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ كَلَامًا كَلَّمَ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ إتْيَانِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا , قَالَ: سَأَلَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ , فَقُلْت لَهُ: إنْ كُنْت تُرِيدُ الْمُكَابَرَةَ , وَتَصْحِيحَ الرِّوَايَاتِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ , فَأَنْتَ أَعْلَمُ , وَإِنْ تَكَلَّمْتَ بِالْمُنَاصَفَةِ , كَلَّمْتُك , قَالَ: عَلَى الْمُنَاصَفَةِ. قُلْت: فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَرَّمْته قَالَ: بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ} . وَقَالَ: {فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} وَالْحَرْثُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْفَرْجِ , قُلْت: أَفَيَكُونُ ذَلِكَ مُحَرِّمًا لِمَا سِوَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ , قُلْت: فَمَا تَقُولُ: لَوْ وَطِئَهَا بَيْنَ سَاقَيْهَا , أَوْ فِي أَعْكَانِهَا , أَوْ تَحْتَ إبْطِهَا , أَوْ أَخَذَتْ ذَكَرَهُ بِيَدِهَا , أَفِي ذَلِكَ حَرْثٌ؟ قَالَ: لَا , قُلْت: أَفَيُحَرَّمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا , قُلْت: فَلِمَ تَحْتَجُّ بِمَا لَا حُجَّةَ فِيهِ؟ قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: {وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} الْآيَةَ , قَالَ: فَقُلْت لَهُ: إنَّ هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ لِلْجَوَازِ , إنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى مَنْ حَفِظَ فَرْجَهُ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ , وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ , فَقُلْت: أَنْتَ تَتَحَفَّظُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَمِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَقُولُ بِذَلِكَ فِي الْقَدِيمِ , فَأَمَّا فِي الْجَدِيدِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حَرَّمَهُ. قَوْلُهُ: قَالَ الرَّبِيعُ: كَذَبَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ , قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ , هَذَا سَمِعَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ مِنْ الرَّبِيعِ , وَحَكَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ , مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي , وَأَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ , وَغَيْرُهُمَا , وَتَكْذِيبُ الرَّبِيعِ لِمُحَمَّدٍ لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ , فَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخُوهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ , أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي السَّمْحِ الْمِصْرِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ , وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ , عَنْ الْأَصَمِّ , عَنْ الرَّبِيعِ , قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} احْتَمَلَتْ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ زَوْجُهَا ; لِأَنَّ (أَنَّى شِئْتُمْ , يَاتِي بِمَعْنَى أَيْنَ شِئْتُمْ. ثَانِيَهُمَا: أَنَّ الْحَرْثَ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ النَّبَاتُ فِي مَوْضِعِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ , فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ , وَأَحْسِبُ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ تَأَوَّلُوا مَا وَصَفْت مِنْ احْتِمَالِ الْآيَةِ , قَالَ: فَطَلَبْنَا الدَّلَالَةَ مِنْ السُّنَّةِ , فَوَجَدْنَا حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ وَهُوَ حَدِيثُ خُزَيْمَةَ فِي التَّحْرِيمِ , قَالَ , فَأَخَذْنَا بِهِ. قَوْلُهُ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَقَامَ مَا رَوَاهُ , أَيْ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ , قَوْلًا , انْتَهَى. وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ , وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ كَمَا قَالَ الرَّبِيعُ , وَهَذَا أَوْلَى مِنْ إطْلَاقِ الرَّبِيعِ تَكْذِيبَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ , فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ثِقَتِهِ وَأَمَانَتِهِ , وَإِنَّمَا اغْتَرَّ مُحَمَّدٌ بِكَوْنِ الشَّافِعِيِّ قَصَّ لَهُ الْقِصَّةَ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ بِطَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ , وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَالِمَ فِي الْمُنَاظَرَةِ يَتَقَذَّرُ الْقَوْلَ وَهُوَ لَا يَخْتَارُهُ , فَيَذْكُرُ أَدِلَّتَهُ إلَى أَنْ يَنْقَطِعَ خَصْمُهُ , وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فِي الْمُنَاظَرَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ , وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَيُعْلَمُ قَوْلُهُ الْإِتْيَانُ فِي الدُّبُرِ بِالْمِيمِ , لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: وَأَصْحَابُهُ الْعِرَاقِيُّونَ لَمْ يُثْبِتُوا الرِّوَايَةَ , انْتَهَى. قَرَات فِي رِحْلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْمُحِيطِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ , وَقَدْ رَجَعَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ عَنْ ذَلِكَ , وَأَفْتَوْا بِتَحْرِيمِهِ , إلَّا أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ حَلَالٌ , قَالَ: وَكَانَ عِنْدَنَا قَاضٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو وَائِلَةَ , وَكَانَ يَرَى بِجَوَازِهِ , فَرُفِعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ وَزَوْجُهَا , وَاشْتَكَتْ مِنْهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهَا ذَلِكَ , فَقَالَ: قَدْ اُبْتُلِيت , وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ