فهرس الكتاب
3732 ـ حدثنا ابن المثنى, قال: ثني وهب بن جرير, قال: حدثنا شعبة, عن ابن المنكدر: قال: سمعت جابر بن عبد الله, يقول: إن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته باركة جاء الولد أحول, فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ.
3733 ـ حدثني محمد بن أحمد بن عبد الله الطوسي, قال: حدثنا الحسن بن موسى, قال: حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: جاء عمر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت قال: «وَما الّذِي أهْلَكَكَ؟» قال: حوّلت رحلي الليلة. قال: فلم يردّ عليه شيئا, قال: فأوحى الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ «أقْبِلْ وأَدْبِرَ, واتّقِ الدّبُرَ والحَيْضَةَ» .
3 حدثنا زكريا بن يحيى المصري, قال: حدثنا أبو صالح الحراني, قال: حدثنا ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب أن عامر بن يحيى أخبره عن حنش الصنعاني, عن ابن عباس: أن ناسا من حمير أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أشياء, فقال رجل منهم: يا رسول الله إني رجل أحبّ النساء, فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله تعالى ذكره في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه, وأنزل فيما سأل عنه الرجل: نِساوكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائْتِها مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إذَا كانَ ذَلِكَ فِي الفَرْجِ» .
والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: معنى قوله أنّى شِئْتُمْ من أيّ وجه شئتم, وذلك أنّ أنّى في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتداء بها في الكلام على المسألة عن الوجوه والمذاهب, فكأن القائل إذا قال لرجل: أنى لك هذا المال؟ يريد من أيّ الوجوه لك, ولذلك يجيب المجيب فيه بأن يقول: من كذا وكذا, كما قال تعالى ذكره مخبرا عن زكريا في مسألته مريم: أنّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدَ اللّهِ وهي مقاربة أين وكيف في المعنى, ولذلك تداخلت معانيها, فأشكلت «أنى» على سامعها ومتأوّلها حتى تأوّلها بعضهم بمعنى أين, وبعضهم بمعنى كيف, وآخرون بمعنى متى, وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات. وذلك أن «أين» إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال, وإنما يستدلّ على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلًا لو سأل آخر فقال: أين مالك؟ لقال بمكان كذا, ولو قال له: أين أخوك؟ لكان الجواب أن يقول: ببلدة كذا, أو بموضع كذا, فيجيبه بالخبر عن محل ما سأله عن محله, فيعلم أن أين مسألة عن المحل. ولو قال قائل لاَخر: كيف أنت؟ لقال: صالح أو بخير أو في عافية, وأخبره عن حاله التي هوفيها, فيعلم حينئذٍ أن كيف مسألة عن حال المسؤول عن حاله. ولو قال له: أنى يحيي الله هذا الميت؟ لكان الجواب أن يقال: من وجه كذا ووجه كذا, فيصف قولًا نظير ما وصف الله تعالى ذكره للذي قال: أنّى يُحْيى هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فعلًا حين بعثه من بعد مماته. وقد فرّقت الشعراء بين ذلك في أشعارها, فقال الكميت بن زيد:
تَذَكّرَ مِنْ أنّى ومِنْ أينَ شُرْبُهُيُوآمِرُ نَفْسَيْهِ كذي الهجمةِ الأبِلْ
وقال أيضا:
أنّى ومِنْ أيْنَ نابَكَ الطّرَبُمِنْ حَيْثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ
فيجاء ب «أنّى» للمسألة عن الوجه وب «أين» للمسألة عن المكان, فكأنه قال: من أي وجه ومن أي موضع رجعك الطرب.
والذي يدل على فساد قول من تأول قول الله تعالى ذكره: فَأتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ كيف شئتم, أو تأوله بمعنى حيث شئتم, أو بمعنى متى شئتم, أو بمعنى أين شئتم أن قائلًا لو قال لاَخر: أنى تأتي أهلك؟ لكان الجواب أن يقول: من قبلها أو من دبرها, كما أخبر الله تعالى ذكره عن