نفسه للصلب ليكفر عن البشر خطيئتهم الموروثة، وهذا يلزمهم الاعتراف بأن العذاب كان مكتوبا على الجميع لولا كفارة عيسى فحصل الرد عليهم باعتقادهم به بله اعتقادنا. ثم أخذت النتيجة من البرهان بقوله {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} أي ينالكم ما ينال سائر البشر. وفي هذا تعريض أيضا بأن المسيح بشر، لأنه ناله ما ينال البشر من الأعراض والخوف، وزعموا أنه ناله الصلب والقتل. وجملة قوله: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} كالاحتراس، لأنه لما رتب على نوال العذاب إياهم أنهم بشر دفع توهم النصارى أن البشرية مقتضية استحقاق العذاب بوراثة تبعة خطيئة آدم فقال: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} أي من البشر {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} ] [1] .
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) } [2] .
(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 156 - 157.
(2) سورة المائدة , الآيتان: 116 - 117.