فقالوا: هو ابن الله، فأراهم الله أن آدم أولى بأن يدعى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلها مع أنه خُلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدم. ومحل التمثيل كون كليهما خُلق من دون أب، ويزيد آدم بكونه من دون أمّ أيضا، فلذلك احتيج إلى ذكر وجه الشبه بقوله: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} الآية , أي خلقه دون أب ولا أم بل بكلمة كن، مع بيان كونه أقوى في المشبه به على ما هو الغالب. وإنما قال: {عِنْدَ اللَّهِ} أي نسبته إلى الله لا يزيد على آدم شيئا في كونه خلقا غير معتاد لكم , لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجبا للمسيح نسبة خاصة عند الله وهي البنوة. وقال ابن عطية:"أراد بقوله: عند الله نفس الأمر والواقع"] اهـ [1] .
قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [2] .
في هذه الآية الكريمة يبين الله عزوجل مشروعية المباهلة لنبيه صلى الله عليه وسلم , بعد أن جاءه العلم الحق في عيسى عليه السلام وهو أنه عبد الله ورسوله وليس كما يدعي النصارى من الألوهية له والبنوة , ولأنهم استمروا على المحاججة بالباطل.
قال ابن عاشور: [تفريع على قوله: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [3] لما فيه من إيماء إلى أن وفد نجران ممترون في هذا الذي بين الله لهم في هذه الآيات , أي فإن استمروا على محاجتهم إياك مكابرة في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة
(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 263.
(2) سورة آل عمران , الآية: 61.
(3) سورة آل عمران , الآية: 60.