فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 151

قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [1] .

قال ابن عاشور: [ومعنى اتخاذهم هؤلاء أربابا أن اليهود ادعوا لبعضهم بنوة الله تعالى وذلك تأليه، وأن النصارى أشد منهم في ذلك إذ كانوا يسجدون لصور عظماء ملتهم مثل صورة مريم، وصور الحواريين، وصورة يحيى بن زكرياء، والسجود من شعار الربوبية، وكانوا يستنصرون بهم في حروبهم ولا يستنصرون بالله. وهذا حال كثير من طوائفهم وفرقهم، ولأنهم كانوا يأخذون بأقوال أحبارهم ورهبانهم المخالفة لما هو معلوم بالضرورة أنه من الدين، فكانوا يعتقدون أن أحبارهم ورهبانهم يحللون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، وهذا مطرد في جميع أهل الدينين، ولذلك أفحم به النبي صلى الله عليه وسلم عديا بن حاتم لما وفد عليه قبيل إسلامه لما سمع قوله تعالى: ... {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} وقال عدي: لسنا نعبدهم فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه- فقلت: بلى- قال: فتلك عبادتهم» [2] فحصل من مجموع أقوال اليهود والنصارى أنهم جعلوا لبعض أحبارهم ورهبانهم مرتبة الربوبية في اعتقادهم فكانت الشناعة لازمة للأمتين ولو كان من بينهم من لم يقل بمقالهم كما زعم عدي بن حاتم فإن الأمة تؤاخذ بما يصدر من أفرادها إذا أقرته ولم تنكره، ومعنى اتخاذهم أربابا من دون الله أنهم اتخذوهم أربابا دون أن يفردوا الله بالوحدانية، وتخصيص المسيح بالذكر لأن تأليه النصارى إياه أشنع وأشهر] [3] .

(1) سورة التوبة , الآية:31.

(2) الطبراني ,سليمان بن أحمد بن أيوب أبي القاسم الطبراني , المعجم الكبير , 17/ 92 حديث رقم 218.

(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 10/ 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت