أنه جزء من الله فهو حقيق بالإلهية، أي كان خلقه في بطن أمه دون أن يقربها ذكر ليكون عبرة عجيبة في بني إسرائيل لأنهم كانوا قد ضعف إيمانهم بالغيب وبعد عهدهم بإرسال الرسل فبعث الله عيسى مجددا للإيمان بينهم، ومبرهنا بمعجزاته على عظم قدرة الله، ومعيدا لتشريف الله بني إسرائيل إذ جعل فيهم أنبياء ليكون ذلك سببا لقوة الإيمان فيهم، ومظهرا لفضيلة أهل الفضل الذين آمنوا به ولعناد الذين منعهم الدفع عن حرمتهم من الاعتراف بمعجزاته فناصبوه العداء وسعوا للتنكيل به وقتله فعصمه الله منهم ورفعه من بينهم فاهتدى به أقوام وافتتن به آخرون. فالمثل هنا بمعنى العبرة] [1] .
وقد ذكر القرطبي قولان في من هو المقصود في هذه الآية , أهو عيسى عليه السلام؟ أم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ لكن رجح الأول لأنه الأظهر.
فقال: [قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} أي ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالنبوة، وجعله مثلا لبني إسرائيل، أي آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى، فإن عيسى كان من غير أب، ثم جعل إليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأسقام كلها ما لم يجعل لغيره في زمانه، مع أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق وأحبه إلى الله عز وجل، والناس دونهم، ليس أحد عند الله عز وجل مثلهم. وقيل: المراد بالعبد المنعم عليه محمد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر] [2] .
في نهاية هذا الفصل أكون - وبحمد الله - قد أنهيت ما وقع عليه نظري , وما استطاع جهدي وبحثي إليه سبيلا في تقصي ردود الإمام ابن عاشور في تفسيره على شبهات النصارى وما زعموا وكذبوا به على الله ورسله.
(1) ابن عاشور , مرجع سابق. 25/ 240 - 241.
(2) القرطبي , مرجع سابق , 16/ 103 - 104.