هذا وإن لعلماء التفسير من ذلك أوفر الحظ والنصيب , فهم الذين صرفوا أعلى الهمم لتدبره , واستخراج درره , لفهم مراد الله -عزوجل- فكان لهم في ذلك مؤلفات كثيرة , عظيمة في قدرها ونفعها.
ومن أجلّ ما ألف في باب التفسير وخصوصا في هذه القرون المتأخرة ما خطته أنامل العلامة البارع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله- وقد سمّى تفسيره"التَّحريرُ والتَّنويرُ".
ومن وفق للاطلاع على هذا التفسير , لا يشك أبدا بعظم هذا الكتاب , وعلوّ شأن مؤلفه , وسعة اطلاعه ومعرفته , فقد أودع فيه من العلوم ألوانا شتى , ومن المعارف ما يروي ظمأ العطشى , {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [1] . ومن ميزاته أنك إن رمت تفسير الآيات وجدته قد أجاد فيه وأفاد , ونقل ومحص النقول وذلك لعلو مرتبته في العلم , فلا يكتفي بالنقل المجرد , ولا يستقلّ بفهمه الخاص , بل زاوج بينهما حتى رأينا من كلامه ما يقنع , وإن بحثت عن اللغة فهو العالم المتبحر , يعرض أقوال أئمتها فيناقش ويرجح ما يترجح له ولا ريب فهو إمام في اللغة والبلاغة التي أوتي منها شطر الحسن , فترى في أسلوبه العجب العجاب , ومن الكلام ما يسحر به الألباب , وإن أتيت لعلوم الفقه وأصوله فهو فقيه أصولي , كما أن له علم بالسنة لا يخفى.
أضف إلى ذلك اطلاعه المبهر على كتب أهل الكتاب واستخدام ما جاء فيها للرد على أقوالهم وشبهاتهم , فهو كثيرا ما ينقل عنهم في تفسيره حتى يكاد المرء يجزم أن الشيخ قد حفظها عن ظهر قلب.
(1) سورة الجمعة , جزء من الآية: 4.