تموت حتى تستكمل أجلها) [1] , وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان: (اهجهم ومعك روح القدس) [2] .وإنما وصف عيسى بهذين مع أن سائر الرسل أُيدوا بالبينات وبروح القدس، للردّ على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته، وللردّ على النصارى الذين غلوا فزعموا ألوهيته، ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه - مهما ذكر- للتنبيه على أن ابن الإنسان لا يكون إلها، وعلى أن مريم أمة الله تعالى لا صاحبة , لأن العرب لا تذكر أسماء نسائها وإنما تكني، فيقولون ربة البيت، والأهل، ونحو ذلك , ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء [[3] .
وهنا ملحظ حسن لابن عاشور - وإن كان قد سبق إلى ذلك -حينما ألمح لفعل العرب في ذكرهم أسماء النساء , وأنهم لا يصرحون بأسمائهن في مناداتهن , وإنما يكنون , وبما أن القرآن نزل بلغة العرب فقد راعى كثيرا من عاداتهم وأعرافهم التي تعارفوا عليها , بل وأيد ما كان حسنا منها وأمر به , ونهى عن السيئ منها وزجر عنه , ولهذا تجد في القرآن ذكر اسم مريم عليها السلام.
وقد قال القرطبي: [لم يذكر الله عزوجل امرأة وسماها باسمها في كتابه إلا مريم ابنة عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو من ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ، فإن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في الملأ، ولا يبتذلون أسماءهن، بل يكنون
(1) حلية الأولياء قال: (حدثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا يحيى بن صالح الوحاطي ثنا عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته) (27/ 10) .وجاء في مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وشعب الإيمان وغيرهم بلفظ (حتى تستكمل رزقها) والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح الجامع الصغير 1/ 419.
(2) رواه البخاري بلفظ: (اهجهم، أو هاجهم - وجبريل معك) حديث رقم 3213 , وجاء عند مسلم: (قالت عائشة فسمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لحسان إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله) حديث رقم 6550.
(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 9.