قال الطاهر: [جملة {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} وما عطف عليها بالواو اعتراض لبيان ما اقتضاه قوله: {الْكَاذِبِينَ} لأنهم نفوا أن يكون عيسى عبد الله، وزعموا أنه غلب فإثبات أنه عبد هو الحق. واسم الإشارة راجع إلى ما ذكر من نفي إلالهية عن عيسى , والضمير في قوله {لَهُوَ الْقَصَصُ} ضمير فصل، ودخلت عليه لام الابتداء لزيادة التقوية التي أفادها ضمير الفصل لأن اللام وحدها مفيدة تقوية الخبر وضمير الفصل يفيد القصر , أي هذا القصص لا ما تقصه كتب النصارى وعقائدهم] .
وقال: [وقوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} تأكيد لحقيقة هذا القصص. ودخلت [من] الزائدة بعد حرف نفي تنصيصا على قصد نفي الجنس لتدل الجملة على التوحيد، ونفي الشريك بالصراحة، ودلالة المطابقة، وأن ليس المراد نفي الوحدة عن غير الله، فيوهم أنه قد يكون إلاهان أو أكثر في شق آخر، وإن كان هذا يؤول إلى نفي الشريك لكن بدلالة الالتزام.
وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فيه ما في قوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} فأفاد تقوية الخبر عن الله تعالى بالعزة والحكم، والمقصود إبطال إلهية المسيح على حسب اعتقاد المخاطبين من النصارى، فإنهم زعموا أنه قتله اليهود وذلك ذلِة وعجز لا يلتئمان مع الإلهية فكيف يكون إله وهو غير عزيز وهو محكوم عليه، وهو أيضا إبطال لإلهيته على اعتقادنا لأنه كان محتاجا لإنقاذه من أيدي الظالمين] [1] .
أكدَ رحمه الله أن النصارى قد نقضوا أنفسهم بأنفسهم وذلك عندما نفوا أن عيسى عليه السلام عبدٌ لله وألهوه ثم هم بعد ذلك يزعمون أنه غلب وقهر وذلك لاعتقادهم بأن اليهود قتلوه وصلبوه , فكيف يكون إله من هذه حاله من الضعف والذلة!!؟
(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 266 - 267.